فهرس الكتاب
: الْمُقَلِّدِ ـ وَعَدُّوهُ مِنَ الضَّرُورَةِ، وَأَطْلَقَ الْكَثِيرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَذَلِكَ مِنْ تَوْسِيدِ الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ الَّذِي يُقَرِّبُ خُطُوَاتِ سَاعَةِ هَلَاكِ الْأُمَّةِ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا ذَهَابُ الْأَمَانَةِ وَظُهُورُ الْخِيَانَةِ، وَلَا خِيَانَةَ أَشَدُّ مِنْ تَوْسِيدِ الْأَمْرِ إِلَى الْجَاهِلِينَ، رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي تَوْسِيدِ الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ مُقَدِّمَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ انْتَظِرِ السَّاعَةَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ:"إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
أَطْلَقَ أَعْوَانُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الْقَوْلَ بِجَوَازِ تَوْلِيَةِ الْجَاهِلِ، وَكَذَا فَاقِدُ غَيْرِ الْعِلْمِ مِنْ شُرُوطِ الْوِلَايَاتِ كَالْعَدَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ يُصَرِّحِ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ إِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ إِقَامَةِ أَمْرِ دِينِهَا أَوْ دُنْيَاهَا أَنْ تَسْعَى فِي إِقَامَتِهِ، وَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبَ قَوْلُهُ فِي الْجُمْهُورِ الْجَاهِلِ عَبَثًا، وَالْأُمَّةُ كُلُّهَا تَكُونُ آثِمَةً إِذَا فَقَدَ أُولُو الْأَمْرِ وَالْأُمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ مَا يَجِبُ فِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى، وَيَجِبُ عَلَيْهَا السَّعْيُ وَالْعَمَلُ لِإِيجَادِ الصَّالِحِينَ لِذَلِكَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ أَمْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَحْكُمُ بِفَقْدِ تِلْكَ الشُّرُوطِ كُلِّهَا، أَوْ بَعْضِهَا وَتُقَدِّرُهُ بِقَدْرِهِ.
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا، أَوِ الْوَاجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ، إِذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ