فهرس الكتاب
؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا مِمَّا عَاتَبَهُمْ فِيهِ عَلَى بَعْضِ اجْتِهَادِهِمْ وَلَمْ يُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَكُونُ لِخَلَفِهِمْ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لَهُمْ؟
وَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ مِنْ جَعْلِ السُّنَّةِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِهَا، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُرَجَّحُ دَائِمًا عِنْدَ التَّعَارُضِ.
هَذَا مَا فُتِحَ بِهِ عَلَيْنَا عِنْدَ طَبْعِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْحَكِيمَةِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَجَلَّى بِهِ مَعْنَاهَا، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ طَاعَةُ اللَّهِ بِالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَطَاعَةُ جَمَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ ـ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَرُؤَسَائِهَا الْمَوْثُوقِ بِهِمْ عِنْدَهَا ـ فِيمَا يَضَعُونَهُ لَهَا بِالشُّورَى مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْقَضَائِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَمِنْهَا الصِّحِّيَّةُ وَالْعَسْكَرِيَّةُ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَ أُولِي الْأَمْرِ، أَوْ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ وَجَمَاعَاتِهَا فِي شَيْءٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْعَمَلُ بِمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَنَازِعِينَ أَوْ لِمَنْ يُحَكِّمُونَهُمْ فِي فَصْلِ النِّزَاعِ مِنَ النُّصُوصِ، أَوْ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ الْعَامَّةِ فِيهِمَا أَوِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ فِيهِمَا، وَلَا نُسَلِّمُ قَوْلَ الرَّازِيِّ وَالنَّيْسَابُورِيِّ: إِنَّ هَذَا الرَّدَّ خَاصٌّ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّنَازُعِ وَالْخِلَافِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّنَازُعُ وَالْخِلَافُ فِيمَا فِيهِ نَصٌّ لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُتَنَازِعُونَ، كَمَا اخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَلَى عُمَرَ فِي الدُّخُولِ عَلَى مَكَانِ الطَّاعُونِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الَّذِي رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَلَوْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَبْلَ تَحْكِيمِ عُمَرَ لِمَشَايِخِ قُرَيْشٍ، وَرَوَى لَهُمُ الْحَدِيثَ لَعَمِلُوا بِهِ وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى التَّحْكِيمِ، فَلْيَتَأَمَّلِ الْمُسْتَقِلُّونَ مَا حَقَّقْنَاهُ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(تَنْبِيهٌ) : تَكَرَّرَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَفْظُ"النَّصِّ"مُعَرَّفًا وَمُضَافًا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَعْنَى عِبَارِتِهِمَا لَا النَّصِّ الْأُصُولِيِّ." [1] ."
(1) تفسير المنار ... » سورة النساء ... » تفسير قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» الجزء الخامس