قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) قِيلَ أَرَادَ بِهِ إِذَا مَا دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةَ سَمَّاهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ (فَهُوَ مُخَيَّرٌ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا فَمَعْنَى الْآيَةِ"وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا"لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الشَّاهِدُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَشْهَدْ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي التَّحَمُّلِ وَالْإِقَامَةِ إِذَا كَانَ فَارِغًا.
(وَلَا تَسْأَمُوا) أَيْ وَلَا تَمَلُّوا (أَنْ تَكْتُبُوهُ) وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَقِّ (صَغِيرًا) كَانَ الْحَقُّ (أَوْ كَبِيرًا) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (إِلَى أَجَلِهِ) إِلَى مَحَلِّ الْحَقِّ (ذَلِكُمْ) أَيِ الْكِتَابُ (أَقْسَطُ) أَعْدَلُ (عِنْدِ اللَّهِ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَعْدَلُ مِنْ تَرْكِهِ (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُذَكِّرُ الشُّهُودَ (وَأَدْنَى) وَأَحْرَى وَأَقْرَبُ إِلَى (أَلَّا تَرْتَابُوا) تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَةِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً) قَرَأَهُمَا عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَأُضْمِرَ الِاسْمُ مَجَازُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ تِجَارَةً (حَاضِرَةً) أَوِ الْمُبَايَعَةُ تِجَارَةً وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ وَلَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجْعَلَ الْكَوْنَ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ الِاسْمَ فِي التِّجَارَةِ وَالْخَبَرَ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ (تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) تَقْدِيرُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً دَائِرَةً بَيْنَكُمْ وَمَعْنَى الْآيَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً يَدًا بِيَدٍ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ لَيْسَ فِيهَا أَجْلٌ (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) يَعْنِي التِّجَارَةَ (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِشْهَادُ وَاجِبٌ فِي صَغِيرِ الْحَقِّ وَكَبِيرِهِ نَقْدًا أَوْ نَسِيئًا وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى الْأَمَانَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى"فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ"