فهرس الكتاب
بِقَوْلِهِ (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَةِ الْيَدَيْنِ شِمَالٌ ; لِأَنَّ الشِّمَالَ عَلَى النَّقْصِ وَالضَّعْفِ، وَقَوْلُهُ: وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ; هِيَ صِفَةٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، فَنَحْنُ نُطْلِقُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا نُكَيِّفُهَا، وَنَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ انْتَهَى بِنَا الْكِتَابُ وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ ; وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَرَبُ تَنْسُبُ الْفِعْلَ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْجُهْدِ وَالْقُوَّةِ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَذَا الْإِحْسَانَ وَالْإِفْضَالَ إِلَيْهَا، وَضِدُّهَا إِلَى الْيَسَارِ، وَقَالُوا: الْيَمِينُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْيُمْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَكِلْتَا يَدَيْهِ ; دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ يَمِينًا مِنْ جِنْسِ أَيْمَانِنَا الَّتِي يُقَابِلُهَا يَسَارٌ، وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ حَتَّى فَازَ بِالْوُصُولِ إِلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الزُّلْفَى مِنَ اللَّهِ ; عَاقَ غَيْرَهُ عَنْ أَنْ يَفُوزَ بِمِثْلِهِ كَالسَّابِقِ إِلَى مَحِلٍّ مِنْ مَجْلِسِ السُّلْطَانِ، بَلْ جِهَاتِهِ وَجَوَانِبِهِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ إِلَيْهَا الْعِبَادُ سَوَاءٌ (الَّذِينَ يَعْدِلُونَ) صِفَةُ الْمُقْسِطِينَ، أَوْ بَدَلٌ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِأَعْنِي ; مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِهِمْ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَؤُلَاءِ السَّادَةُ الْمُقَرَّبُونَ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ (فِي حُكْمِهِمْ) ; أَيْ فِيمَا يُقَلَّدُونَ مِنْ خِلَافَةٍ، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ إِمَارَةٍ، (وَأَهْلِيهِمْ) ; أَيْ مَا يَجِبُ لِأَهْلِيهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ، (وَمَا وَلُوا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ، وَالْأَصْلُ وَلِيُوا، عَلَى وَزْنِ عَلِمُوا نُقِلَتْ ضَمَّةُ الْيَاءِ إِلَى اللَّامِ بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِهَا وَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; أَيْ وَمَا كَانَتْ لَهُمْ عَلَيْهِمْ وِلَايَةٌ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْيَتِيمِ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ حِسْبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ مَا جُعِلُوا وَالِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ فَيُدْخِلُ فِيهِ نَفْسَهُ أَيْضًا، قَالَ الْأَشْرَفُ: فَالرَّجُلُ يَعْدِلُ مَعَ نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُضِيعَ وَقْتَهُ فِي غَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، بَلْ يَمْتَثِلُ أَوَامِرَ اللَّهِ وَيَنْزَجِرُ عَنْ نَوَاهِيهِ عَلَى الدَّوَامِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأَوْلِيَاءِ الْكِرَامِ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ غَالِبًا كَمَا هُوَ دَيْدَنُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ; ظَالِمٍ وَمُقْتَصِدٍ وَسَابِقٍ ; وَالْمُقْتَصِدُ مَنْ عَدَلَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى حَدِّ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَرَقَّ إِلَى مَرْتَبَةِ السَّابِقِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (رَوَاهُ