قَالَ الإِمَامُ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِي أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٍ بِن عُمَرٍ بِن حُسَين القُرَشِي الطَّبَرِسْتَانِيِّ الأَصْلِ فِي تَفْسِيرِهَا
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بِحُصُولِ الْفَلَاحِ لِمَنْ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِصِفَاتٍ سَبْعٍ، وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي شَرْحِ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا بُدَّ مِنْ بَحْثَيْنِ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ (قَدْ) نَقِيضَةٌ لِـ (مَا) فَـ (قَدْ) تُثْبِتُ الْمُتَوَقَّعَ، وَ (لَمَا) تَنْفِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ، وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِثَبَاتِ الْفَلَاحِ لَهُمْ فَخُوطِبُوا بِمَا دَلَّ عَلَى ثَبَاتِ مَا تَوَقَّعُوهُ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: الْفَلَاحُ: الظَّفَرُ بِالْمُرَادِ، وَقِيلَ: الْبَقَاءُ فِي الْخَيْرِ، وَأَفْلَحَ: دَخَلَ فِي الْفَلَاحِ، كَأَبْشَرَ: دَخَلَ فِي الْبِشَارَةِ، وَيُقَالُ: أَفْلَحَهُ: صَيَّرَهُ إِلَى الْفَلَاحِ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ"أُفْلِحَ"عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَعَنْهُ (أَفْلَحُوا) عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، أَوْ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالتَّفْسِيرِ.
الصِّفَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُونَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْإِيمَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.