فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 684

وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [النِّسَاءِ: 43] تَعْلِيلٌ لِنَهْيِ السَّكْرَانِ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْغَافِلِ الْمُسْتَغْرِقِ الْمُهْتَمِّ بِالدُّنْيَا.

وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إِنَّمَا الْخُشُوعُ لِمَنْ تَمَسْكَنَ وَتَوَاضَعَ"وَكَلِمَةُ (إِنَّمَا) لِلْحَصْرِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا"وَصَلَاةُ الْغَافِلِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْفَحْشَاءِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَمْ مِنْ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ التَّعَبُ وَالنَّصَبُ وَمَا أَرَادَ بِهِ إِلَّا الْغَافِلَ، وَقَالَ أَيْضًا:"لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ"

وَسَادِسُهَا: قَالَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَالْكَلَامُ مَعَ الْغَفْلَةِ لَيْسَ بِمُنَاجَاةٍ الْبَتَّةَ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ حَالَ الْغَفْلَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهُوَ كَسْرُ الْحِرْصِ وَإِغْنَاءُ الْفَقِيرِ، وَكَذَا الصَّوْمُ قَاهِرٌ لِلْقُوَى كَاسِرٌ لِسَطْوَةِ الْهَوَى الَّتِي هِيَ عَدُوَّةُ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ مَقْصُودُهُ مَعَ الْغَفْلَةِ، وَكَذَا الْحَجُّ أَفْعَالٌ شَاقَّةٌ، وَفِيهِ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِابْتِلَاءُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَلْبُ حَاضِرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا ذِكْرٌ وَقِرَاءَةٌ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَقِيَامٌ وَقُعُودٌ، أَمَّا الذِّكْرُ فَإِنَّهُ مُنَاجَاةٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ كَوْنَهُ مُنَاجَاةً، أَوِ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَلَا شَكَّ فِي فَسَادِ هَذَا الْقِسْمِ، فَإِنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ بِالْهَذَيَانِ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمُنَاجَاةُ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا كَانَ اللِّسَانُ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي الْقَلْبِ مِنَ التَّضَرُّعَاتِ، فَأَيُّ سُؤَالٍ فِي قَوْلِهِ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الْفَاتِحَةِ: 6] وَكَانَ الْقَلْبُ غَافِلًا عَنْهُ؟ بَلْ أَقُولُ: لَوْ حَلَفَ إِنْسَانٌ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَشْكُرَنَّ فُلَانًا وَأُثْنِي عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ حَاجَةً. ثُمَّ جَرَتِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِهِ فِي الْيَوْمِ، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ الْإِنْسَانُ حَاضِرٌ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ حُضُورَهُ وَلَا يَرَاهُ، لَا يَصِيرُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَكُونُ كَلَامُهُ خِطَابًا مَعَهُ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت