فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 684

وَالْفُقَهَاءُ إِنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْ حُكْمِ الْإِجْزَاءِ لَا عَنْ حُكْمِ الثَّوَابِ، وَغَرَضُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ هَذَا، وَمِثَالُهُ فِي الشَّاهِدِ مَنِ اسْتَعَارَ مِنْكَ ثَوْبًا ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى الوجه الْأَحْسَنِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ وَاسْتَحَقَّ الْمَدْحَ، وَمَنْ رَمَاهُ إِلَيْكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، كَذَا مَنْ عَظَّمَ اللَّهَ تَعَالَى حَالَ أَدَائِهِ الْعِبَادَةَ صَارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ، وَمَنِ اسْتَهَانَ بِهَا صَارَ مُقِيمًا لِلْفَرْضِ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ.

وَثَانِيهَا: أَنَّا نَمْنَعُ هَذَا الْإِجْمَاعَ، أَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحُضُورِ وَالْخُشُوعِ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ وَلِلصَّنَمِ كُفْرٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمَاثِلُ الْآخَرَ فِي ذَاتِهِ وَلَوَازِمِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ لِأَجْلِهِ صَارَ السُّجُودُ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ طَاعَةً، وَفِي الْأُخْرَى مَعْصِيَةً، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ إِلَّا الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْقَصْدِ إِيقَاعُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ لِدَاعِيَةِ الِامْتِثَالِ، وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا إِلَّا عِنْدَ الْحُضُورِ، فَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحُضُورِ، أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَقَدْ ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ أَنَّ تَمَامَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وَأَنْ يَقْرَأَ بِالتَّفَكُّرِ.

وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ بِشْرٍ الْحَافِي أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَعَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا يَحْضُرُ فِيهَا الْقَلْبُ فَهِيَ إِلَى الْعُقُوبَةِ أَسْرَعُ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ:"مَنْ عَرَفَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". وَرُوِيَ أَيْضًا مُسْنَدًا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ لَا يُكْتَبُ لَهُ سُدُسُهَا وَلَا عُشْرُهَا، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقَلَ مِنْهَا". وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: أَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ، وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: هَبْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ بِأَسْرِهِمْ حَكَمُوا بِالْجَوَازِ، أَلَيْسَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت