قُرْبَ الْمَسْجِدِ) بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى مَكَانٍ بِقُرْبِهِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيِ: انْتِقَالُهُمُ الْمَفْهُومُ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلُوا (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : بِالْإِخْبَارِ أَوِ الْوَحْيِ (فَقَالَ لَهُمْ:(بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) . قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيِ: الْزَمُوا دِيَارَكُمْ (تُكْتَبْ) يُرْوَى بِالْجَزْمِ عَلَى
جَوَابُ الْزَمُوا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوِ الْحَالُ لِبَيَانِ الْمُوجَبِ (آثَارُكُمْ) : جَمْعُ أَثَرٍ، وَأَثَرُ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ. قَالَ تَعَالَى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ أَيْ: أَجْرُ خُطَاكُمْ، وَثَوَابُ أَقْدَامِكُمْ، لِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخُطَا أَكْثَرَ يَكُونُ الْأَجْرُ أَكْثَرَ (دِيَارَكُمْ، تُكْتَبُ آثَارُكُمْ) : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَنُو سَلِمَةَ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرَهُمْ، كَانَتْ دِيَارُهُمْ عَلَى بُعْدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُجْهِدُهُمْ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَعِنْدَ وُقُوعِ الْأَمْطَارِ وَاشْتِدَادِ الْبَرْدِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعَرَّى جَوَانِبُ الْمَدِينَةِ فَرَغَّبَهُمْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى نَقْلِ الْخُطَا، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ أَنْ تُكْتَبَ فِي صُحُفِ الْأَعْمَالِ أَيْ كَثْرَةُ الْخُطَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ، أَوْ أَنْ تُكْتَبَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَيْ: تُكْتَبَ قِصَّتُكُمْ وَمُجَاهَدَتُكُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي كُتُبِ سِيَرِ السَّلَفِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِحِرْصِ النَّاسِ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ (وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّكْرَارَ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ بِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابَتَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، لَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مَا وَرَدَ: مِنْ أَنَّ شُؤْمَ الدَّارِ عَدَمُ سَمَاعِهَا لِلْأَذَانِ، لِأَنَّ الشَّآمَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى فَوَاتِ