فهرس الكتاب
الْمَعْصِيَةِ، أَوْ تَسْتَمِرُّ الْغَفْلَةُ فَيَقَعُ. وَهَذَا الثَّانِي يُسْرِعُ إِلَى الْإِقْلَاعِ مَعَ النَّدَمِ. وَإِلَى الثَّانِي يُشِيرُ حَدِيثُ"لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"وَالنَّدْبُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْمُتَّصِفُ عُمُومًا بِذَلِكَ نَادِرٌ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيقَتَهُ، وَيَرْضَى بِمَا شَرَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَاهُ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ فِي الْجُودِ وَالْإِيثَارِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. وَمَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي الدِّينِ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ، وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ. وَإِنَّمَا قَالَ"مِمَّا سِوَاهُمَا"وَلَمْ يَقُلْ"مِمَّنْ"لِيَعُمَّ مَنْ يَعْقِلَ وَمَنْ لَا يَعْقِلَ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ التَّثْنِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلَّذِي خَطَبَ فَقَالَ: وَمَنْ يَعْصِهِمَا"بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ"فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْخُطَبِ الْإِيضَاحُ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ الْإِيجَازُ فِي اللَّفْظِ لِيُحْفَظَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ"وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ". وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَيْضًا الْإِيجَازُ فَلَا نَقْضٌ. وَثَمَّ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى، مِنْهَا: دَعْوَى التَّرْجِيحِ، فَيَكُونُ حَيِّزُ الْمَنْعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ عَامٌّ. وَالْآخَرُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ ; وَلِأَنَّهُ نَاقِلٌ وَالْآخُرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالْآخَرُ فِعْلٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ فِي الْقَوْلِ أَيْضًا حَاصِلٌ بِكُلِّ قَوْلٍ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ أَصْلًا، وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا جَمَعَ أَوْهَمَ إِطْلَاقُهُ التَّسْوِيَةَ، بِخِلَافِهِ هُوَ فَإِنَّ مَنْصِبَهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِيهَامُ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا مَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَمِنْهَا دَعْوَى التَّفْرِقَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -