فهرس الكتاب
أَنَّ السَّابِقِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يُدْمِنُونَ ذِكْرَ اللَّهِ، وَيُولَعُونَ بِهِ، فَإِنَّ الِاسْتِهْتَارَ بِالشَّيْءِ: هُوَ الْوُلُوعُ بِهِ وَالشَّغَفُ، حَتَّى لَا يَكَادَ يُفَارِقُ ذِكْرَهُ، وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ الْمُسْتَهْتَرُونَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ فِيهِ: الَّذِينَ أُهْتِرُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَفَسَّرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْهَتْرَ بِالسَّقْطِ فِي الْكَلَامِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَكَاذَبَانِ وَيَتَهَاتَرَانِ. قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ عُمِّرَ وَخَرِفَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْمُفَرِّدِينَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنِ انْفَرَدَ بِالْعُمْرِ عَنِ الْقَرْنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى فَالْمُرَادُ بِالْمُفَرِّدِينَ الْمُتَخَلِّينَ مِنَ النَّاسِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا قَالَ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْفِرَادِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الِانْفِرَادُ بِهَذَا الْعَمَلِ وَهُوَ كَثْرَةُ الذِّكْرِ دُونَ الِانْفِرَادِ الْحِسِّيِّ، إِمَّا عَنِ الْقَرْنِ أَوْ عَنِ الْمُخَالَطَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ عِنْدَ قُرْبِ الْإِفَاضَةِ: لَيْسَ السَّابِقُ الْيَوْمَ مَنْ سَبَقَ بِعِيرُهُ، وَإِنَّمَا السَّابِقُ مَنْ غُفِرَ لَهُ. وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي"صَحِيحِهِ"مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّاحَاتِ قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَفِي"الْمُسْنَدِ"وَ"صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي"الْحِلْيَةِ"مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّكُمْ تُرَاءُونَ. وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَتَخَضَّبَ دَمًا، لَكَانَ الذَّاكِرُونَ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً. وَخَرَّجَ