طُغْيَانَ الْمَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى ذِكْرِ الصَّوْمِ إِذْ مَا جَاءَ لِتَحْصِيلِ عِبَادَةٍ هِيَ بِرَأْسِهَا مَطْلُوبَةٌ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الصَّوْمِ فِي الْأَصْلِ كَسْرُ الشَّهْوَةِ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ) أَيِ الصَّوْمَ.
قَوْلُهُ (لَهُ وِجَاءٌ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ، أَصْلُهُ الْغَمْزُ، وَمِنْهُ وَجَأَهُ فِي عُنُقِهِ إِذَا غَمَزَهُ دَافِعًا لَهُ، وَوَجَأَهُ بِالسَّيْفِ إِذَا طَعَنَهُ بِهِ، وَوَجَأَ أُنْثَيَيْهِ غَمَزَهُمَا حَتَّى رَضَّهُمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْمَذْكُورَةِ"فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ وَهُوَ الْإِخْصَاءُ"وَهِيَ زِيَادَةٌ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ لَمْ تَقَعْ إِلَّا فِي طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ هَذِهِ، وَتَفْسِيرُ الْوِجَاءِ بِالْإِخْصَاءِ فِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْوِجَاءَ رَضُّ الْأُنْثَيَيْنِ وَالْإِخْصَاءَ سَلُّهُمَا، وَإِطْلَاقُ الْوِجَاءِ عَلَى الصِّيَامِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَابَهَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَا بِفَتْحِ الْوَاوِ مَقْصُورٌ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ لَا يُقَالُ: وَجَاءَ إِلَّا فِيمَا لَمْ يَبْرَأْ وَكَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَرْكُ التَّزْوِيجِ لِأَنَّهُ أَرْشَدَهُ إِلَى مَا يُنَافِيهِ وَيُضْعِفُ دَوَاعِيَهُ. وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الرَّجُلَ فِي التَّزْوِيجِ إِلَى أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ التَّائِقُ إِلَيْهِ الْقَادِرُ عَلَى مُؤَنِهِ الْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا يُنْدَبُ لَهُ النِّكَاحُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفَرَاييِنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي صَحِيحِهِ، وَنَقَلَهُ الْمِصِّيصِيُّ فِي"شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ"وَجْهًا، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَتْبَاعِهِ.
وَرَدَّ عَلَيْهِمْ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا خَيَّرَتْ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ