فهرس الكتاب
الشَّهَادَةَ عَلَى زِنَاهَا تَمَّتْ بِأَرْبَعَةٍ عُدُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ، فَلَا تَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِنَّ شَهَادَةُ الرِّجَالِ عَلَيْهَا بِالزِّنَى، وَوَجْهُ قَوْلِ الْآخَرَيْنِ بِأَنَّهَا لَا تُحَدُّ هُوَ أَنَّ بَكَارَتَهَا ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَوُجُودُ الْبَكَارَةِ مَانِعٌ مِنَ الزِّنَى ظَاهِرًا ; لِأَنَّ الزِّنَى لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِيلَاجِ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ، لِأَنَّ الْبِكْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ فِي قُبُلِهَا، وَإِذَا انْتَفَى الزِّنَى لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ الزِّنَى مَجْبُوبٌ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي"الْمُغْنِي": وَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، يَعْنِي الْبَكَارَةَ الْمَذْكُورَةَ، انْتَهَى، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِتَمَامِ شَهَادَتِهِمْ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ بِالْبَكَارَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ"الْمُغْنِي": وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ لِكَمَالِ عِدَّتِهِمْ، مَعَ احْتِمَالِ صِدْقِهِمْ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا، ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ، وَأَمَّا إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ مَجْبُوبٌ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَى فَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا رَتْقَاءُ، فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى بَيِّنَةِ الزِّنَى، لِظُهُورِ كَذِبِهَا ; لِأَنَّ الْمَجْبُوبَ مِنَ الرِّجَالِ وَالرَّتْقَاءَ مِنَ النِّسَاءِ لَا يُمْكِنُ حُصُولُ الزِّنَى مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ الزِّنَى، وَوُجُوبِ الْحَدِّ رَجْمًا كَانَ أَوْ جَلْدًا بِإِقْرَارِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ الزِّنَى بِإِقْرَارِ الزَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ لَا يَكْفِي ذَلِكَ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَكَمُ: إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا أَقَرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ، وَلَا تَكْفِي عِنْدَهُمَا الْإِقْرَارَاتُ الْأَرْبَعَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَذَهَبَ