فهرس الكتاب
لِإِقْرَارِهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي رُجُوعِهِ عَنْهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنْ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي: أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِزِنًى قَدِيمٍ قَبْلَ إِقْرَارِهِ، وَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إِلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اعْتِبَارُ الْإِقْرَارِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَقَادَمَ عَهْدُهُ، أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، وَلَوْ لَمْ تُشْهَدْ إِلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَنِ ; لِأَنَّ عُمُومَ النُّصُوصِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ تَعْجِيلِ الشَّهَادَةِ وَتَأْخِيرِهَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْإِقْرَارَ يُقْبَلُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ مَعَ التَّأْخِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي"الْمُغْنِي": وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنًى قَدِيمٍ أَوْ أَقَرَّ بِهِ وَجَبَ الْحَدُّ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاسِحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيقَةَ: لَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى زِنًى قَدِيمٍ وَأَحُدُّهُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، اهـ مِنْهُ.
أَمَّا قَبُولُ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا الْقَدِيمِ وَوُجُوبُ الْحَدِّ بِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُتَّهَمُ فِي نَفْسِهِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ بِزِنًا قَدِيمٍ، فَالْأَظْهَرُ قَبُولُهَا، لِعُمُومِ النُّصُوصِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنًا قَدِيمٍ، هُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ الشَّهَادَةِ، يَدُلُّ عَلَى التُّهْمَةِ فَيَدْرَأُ ذَلِكَ الْحَدَّ.
وَقَالَ فِي"الْمُغْنِي": وَمِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا شُهُودٍ شَهِدُوا بِحَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَهُمْ شُهُودُ ضِغْنٍ، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلًا، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ، اهـ مِنْهُ.