مِنْهُمَا سَنَةً لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَبِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَالثَّانِي: يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ جَوَازُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ أَوْلَى.
وَالثَّالِثُ: لَا يُغَرَّبُ الْمَمْلُوكُ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَحَمَّادٌ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ:"فَلْيَجْلِدْهَا"وَلَمْ يَذْكُرِ النَّفْيَ، وَلِأَنَّ نَفْيَهُ يَضُرُّ سَيِّدَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ حَدِيثِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلنَّفْيِ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ النَّفْيِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ) فَلَيْسَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ، بَلْ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، سَوَاءٌ زَنَى بِبِكْرٍ أَمْ بِثَيِّبٍ، وَحَدُّ الثَّيِّبِ الرَّجْمُ، سَوَاءٌ زَنَى بِثَيِّبٍ أَمْ بِبِكْرٍ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْغَالِبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِكْرِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ. وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ جَامَعَ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَمْ لَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ مَنْ جَامَعَ فِي دَهْرِهِ مَرَّةً مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ حُرٌّ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ هَذَا