فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 684

قُتِلَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ لِحِمَايَةِ الدُّعَاةِ وَنَشْرِ الدَّعْوَةِ لَا لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ ; فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (2: 256) وَيَقُولُ: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (10: 99) وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ الدَّعْوَةَ وَيُؤْذِي الدُّعَاةَ أَوْ يَقْتُلُهُمْ أَوْ يُهَدِّدُ الْأَمْنَ وَيَعْتَدِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْرِضُ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ; لِأَجْلِ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ، وَلَا لِأَجْلِ الطَّمَعِ فِي الْكَسْبِ.

وَلِقَدْ كَانَتْ حُرُوبُ الصَّحَابَةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ حِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَمَنْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَغَلُّبِ الظَّالِمِينَ لَا لِأَجْلِ الْعُدْوَانِ، فَالرُّومُ كَانُوا يَعْتَدُونَ عَلَى حُدُودِ الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ وَيُؤْذُونَهُمْ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ يُؤْذُونَ مَنْ يُظَنُّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَكَانَ الْفُرْسُ أَشَدَّ إِيذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ مَزَّقُوا كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَضُوا دَعْوَتَهُ وَهَدَّدُوا رَسُولَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ اقْتَضَتْهُ طَبِيعَةُ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مُوَافِقًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْكَوْنِ أَنْ يَبْسُطَ الْقَوِيُّ يَدَهُ عَلَى جَارِهِ الضَّعِيفِ، وَلَمْ تُعْرَفْ أُمَّةٌ قَوِيَّةٌ أَرْحَمَ فِي فُتُوحَاتِهَا بِالضُّعَفَاءِ مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، شَهِدَ لَهَا عُلَمَاءُ الْإِفْرِنْجِ بِذَلِكَ.

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْقِتَالِ أَنَّهُ شُرِعَ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَنَشْرِهَا، فَعَلَى مَنْ يَدَّعِي مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ أَنَّهُ يُحَارِبُ لِلدِّينِ أَنْ يُحْيِيَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، وَيُعِدَّ لَهَا عُدَّتَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ بِحَسَبِ حَالِ الْعَصْرِ وَعُلُومِهِ، وَيَقْرِنُ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْدَادِ التَّامِّ لِحِمَايَتِهَا مِنَ الْعُدْوَانِ، وَمَنْ عَرَفَ حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الدِّينِ عِنْدَ الْأُمَمِ الْحَيَّةِ وَطُرُقَ الِاسْتِعْدَادِ لِحِمَايَتِهِمْ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي هَذَا الْعَصْرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت