فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 684

وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: يَقْبِضُ بَعْضَ الْأَيْدِي عَنِ الْبَذْلِ، وَيَبْسُطُ بَعْضَهَا بِالْفَضْلِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُوَ لَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْآيَةِ وَلَا يَظْهَرُ بَعْدَهُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ; أَيْ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى عَمَلٍ لَنَا فِيهِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ، لَا عَلَى مَا تُصَرِّفُهُ الْأَقْدَارُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا التَّعْقِيبَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَذْلَ وَاجِبٌ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. أَقُولُ يُرِيدُ عِقَابَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا عِقَابَ الدُّنْيَا فَهُوَ أَظْهَرُ; لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لِأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ الْبَاحِثِينَ فِي شُئُونِ الْأُمَمِ، إِذْ لَا يَبْحَثُونَ فِي حَالِ أُمَّةٍ عَزِيزَةٍ إِلَّا وَيَرَوْنَ بَذْلَ أَغْنِيَائِهَا الْمَالَ لِنَشْرِ الْعُلُومِ وَإِتْقَانِ الْأَعْمَالِ، وَتَعَاوُنِ أَفْرَادِهَا عَلَى مَصْلَحَتِهَا هِيَ أَسْبَابُ عِزَّتِهَا وَرِفْعَتِهَا، وَلَا يَبْحَثُونَ فِي حَالِ أُمَّةٍ ذَلِيلَةٍ مَقْهُورَةٍ إِلَّا وَيَرَوْنَ أَغْنِيَاءَهَا مُمْسِكِينَ وَأَفْرَادَهَا غَيْرَ مُتَعَاوِنِينَ، فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) إِلَخْ. بَيَانٌ لِطَرِيقِ الْمُضَاعَفَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَتَذْكِيرٌ بِاللَّهِ وَبِتَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ وَبِمَصِيرِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ; أَيْ: فَهُوَ يُضَاعِفُ لَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ. وَقَدْ عَهِدْنَا فِي الْقُرْآنِ خَتْمَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ بِمِثْلِ هَذَا، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَبْلَغُ آيَاتِهِ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى رُجُوعَانِ: -

رُجُوعٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِلَى سُنَّتِهِ الْحَكِيمَةِ وَنِظَامِ خَلِيقَتِهِ الثَّابِتِ كَكَوْنِ تَحْصِيلِ الْغَنِيِّ يَكُونُ بِكَذَا مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ وَكَذَا مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْخِيرِهِ، وَكَوْنِ الْفَقْرِ يَكُونُ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَكَكَوْنِ الْبَذْلِ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ يَأْتِي بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ الْخَاصَّةِ بِالْبَاذِلِ وَالْعَامَّةِ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ يَعْتَزُّ بِعِزَّتِهِمْ وَيَسْعَدُ بِسَعَادَتِهِمْ، وَكَوْنِ تَرْكِ الْبَذْلِ يَأْتِي بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْإِنْسَانُ بِعَمَلٍ مِنْ ذَلِكَ تَمَامَ الِاسْتِقْلَالِ بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَاجَةِ إِلَى مَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ لَهُ. أَقُولُ: وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ أَعْمَالِهِ يَتِمُّ بِكَسْبِهِ وَسَعْيِهِ وَجِدِّهُ لَمَا كَانَ رَاجِعًا إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ; لِأَنَّهُ مَا عَمِلَ وَلَا وَصَلَ إِلَّا بِالسَّيْرِ عَلَى سُنَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت