فهرس الكتاب
وَانْكَمَشَ وَقِيلَ صَرَفَ وَجْهَهُ كَالْخَائِفِ أَنْ تَنَالَهُ
قُلْتُ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْرَضَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي أَوَّلِهِ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ.
قَوْلُهُ ثَلَاثًا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ"ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ: وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ وَلَوْ قُلْتُ وَقَدْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالْكَسْبِ الطَّيِّبِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ احْتِقَارِ الْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الزُّهْدِ حَيْثُ قَالُوا الْمُلْتَفِتُ هَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْمَذْكُورِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فِيهِ صُورَةُ الِالْتِفَاتِ فَلِذَا لَمَّا نَظَرَ أَمَامَهُ اسْتَقْبَلَتْهُ النَّارُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رَفَعَهُ كَأَنِّي أَرَاكُمْ بِالْكَوَمِ جُثًى مِنْ دُونِ جَهَنَّمَ وَقَوْلُهُ: جُثًى"بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ جَاثٍ وَالْكَوَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ الْمَكَانُ الْعَالِي الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ عَالٍ وَفِيهِ أَنَّ احْتِجَابَ اللَّهِ عَنْ عِبَادِهِ لَيْسَ بِحَائِلٍ حِسِّيٍّ بَلْ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى قُدَّامَهُ شَيْئًا وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ يُرَدُّ عَنْ رَدًى أَوْ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ أَوْ يَحُلُّ مُشْكِلًا أَوْ يَكْشِفُ غَامِضًا أَوْ يَدْفَعُ ثَائِرًا أَوْ يُسَكِّنُ غَضَبًا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ." [1] ."
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري» مسألة رقم 6174