فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 684

الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ:"وَمَا ذَاكَ؟"قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيَعْتِقُونَ وَلَا نَعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ قَدْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟"قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً"، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الْمَائِدَةِ: 54] . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْفُقَرَاءَ ظَنُّوا أَنْ لَا صَدَقَةَ إِلَّا بِالْمَالِ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ صَدَقَةٌ. وَفِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ. وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ، حَتَّى إِنْ فَضَلَّ اللَّهِ الْوَاصِلَ مِنْهُ إِلَى عِبَادِهِ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مِمَّنْ يَطْلُبُ جَزَاءَهَا وَأَجْرَهَا، وَالصَّحِيحُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ:"مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ نَوْمٌ فَنَامَ عَنْهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ"خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَفِي"مُسْنَدَيْ"بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا:"مَا مِنْ يَوْمٍ وَلَا لَيْلَةٍ وَلَا سَاعَةٍ إِلَّا لِلَّهِ فِيهَا صَدَقَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِثْلَ أَنْ يُلْهِمَهُ ذِكْرَهُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت