فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 684

وَضَعَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ: اللَّامُ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ، فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ:"اشْتَرِطِي"لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي فَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ آخِرَ أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ"اشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا".

وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ الْوَلَاءَ بَاطِلٌ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِبُطْلَانِهِ أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا بِهِ التَّهْدِيدَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَكَقَوْلِ مُوسَى: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ أَيْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِكُمْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي لَهُمْ فَسَيَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلَهُ حِينَ خَطَبَهُمْ"مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا إِلَخْ"فَوَبَّخَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ اللَّهِ بِإِبْطَالِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُ ذَلِكَ لَبَدَأَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ فِي الْخُطْبَةِ لَا بِتَوْبِيخِ الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَقِيلَ الْأَمْرُ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ": لَمَّا كَانَ مَنِ اشْتَرَطَ خِلَافَ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَاصِيًا وَكَانَتْ فِي الْمَعَاصِي حُدُودٌ وَآدَابٌ وَكَانَ مِنْ أَدَبِ الْعَاصِينَ أَنْ يُعَطِّلَ عَلَيْهِمْ شُرُوطَهُمْ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأَدَبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى اشْتَرِطِي اتْرُكِي مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا شَرَطُوهُ وَلَا تُظْهِرِي نِزَاعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا إِلَيْهِ مُرَاعَاةً لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يُعْبَّرُ عَنِ التَّرْكِ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ نَتْرُكُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ إِبَاحَةَ الْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت