الصفحة 34 من 42

-ثانيا: كثير من الكتاب يوردون أدلة في سياقات مختلفة ولا معنى لإيرادها ولا حجة فيها فمن ذلك:

1 -الإستدلال بما جاء في حديث عائشة في الصحيحين في خروج سودة لحاجتها ليلا، وقد تقدم أن الواقعة قبل فرض الحجاب ثم أنه لا أحد من أهل الإسلام يمنع المرأة أن تخرج لحاجة، ثم ألا يعتبر الكاتبُ بقصدها الخروجَ ليلا، وترك النهار، وهذا من حشمة نساء الصدر الأول وحيائهن أنشد النميري عند الحَجَّاج قوله:

(يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن جنح الليل معتجرات)

قال الحَجَّاج"وهكذا المرأةُ الحرة المسلمة"

2 -وأما الإستدلال بما جاء عن سهل بن سعد قال"كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قِدْرٍ ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها، فتكون أصول السلق عرقه، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك"فالجواب عنه من وجهين:

أولا: أن هؤلاء صبيان لم يبلغوا، فسهل ابن سعد الذي يحكي عن نفسه الحضور إلى هذه المرأة صبي صغير كان عمره دون البلوغ قطعا، قال الزهري"كان له يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة"كما رواه أبو زرعة في تاريخه وكيف لأحد أن يثبت أن من معه ليسوا حدثاء مثله، ورفيق الصبي صبي!

ثانيا: هذه المرأة جاء في نفس الخبر أنها امرأةٌ عجوز من القواعد، ولكن من يستدل به لا يورد ذكر أنها عجوز، روى البخاري (1) قال سهل بن سعد"إنا كنا لنفرح كانت لنا عجوز ..."إلى آخره، والقواعد من النساء لسن مخاطبات بالحجاب بنص القرآن كما يأتي وهذا الخبرُ سيق في مساق انتشار الصحابة بعد الجمعة وأنهم لا ينتظرون، وليس في هذا الخبر إلا أن المرأة تطبخ الطعام في مزرعتها ثم تدفع الطعام لهم ليأكلوا، كحال الآخذ والمعطي، والفهم أبعد من ذلك ظنون

3 -وأما الإستدلال بما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه"أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه، فقلن ما معنا إلا الماء، فقال صلى الله عليه وسلم «من يضم أو يضيِّفُ هذا؟» فقال رجل من الأنصار أنا، فانطلقَ به إلى امرأته فقال أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ما عندنا إلا قُوتُ صبياني فقال هيئي طعامك وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ضحك الله الليلة، وعجب من فعالكما» ، فأنزل الله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} " (الحشر:9) فقد قال الحافظ ابن بشكوال"إن الرجل الأنصاري هو عبد الله بن رواحة وعبد الله بن رواحة قتل بمؤتة سنة ثمان، والله أعلم، ثم إن هذا لا يثبت زمنه، والإستدلال بهذا بعيد، فتلك ضرورة شديدة، فقد جاء في إحدى الروايات (كما عند إسماعيل القاضي) أنه لم يطعم ثلاثة أيام، وإنقاذُ رجلٍ من الهلاك، لا يُلتفت معه إلى وجود امرأة في مكان بليل دامس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت