فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 119

الفائدة الأولى: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه"، فإنْ قيل: حرَّم الشرع أكل الحُمُر الأهلية، فهل هذا يدل على تحريم ثمنها؟

قلنا: الحُمُر الأهلية طاهرة وفيها نفع، لذا فالأصل جواز بيعها، وتحريم الشرع لها إنَّما هو في حرمة أكلها [1] ، وعليه فمن باعها لمن سيأكلها هنا نقول بالحديث:"إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه" [2] .

قال ابن القيم: وَفِي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا أَوْ حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَه) ، يُرَادُ بِهِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ حَرَامُ الْعَيْنِ وَالِانْتِفَاعِ جُمْلَةً، كَالْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَآلَاتِ الشِّرْكِ، فَهَذِهِ ثَمَنُهَا حَرَامٌ كَيْفَمَا اتَّفَقَتْ، وَالثَّانِي: مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَكَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْبِغَالِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَحْرُمُ أَكْلُهُ دُونَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهَذَا قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُ ثَمَنِهِ إِذَا بِيعَ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي حَرُمَتْ مِنْهُ، فَإِذَا بِيعَ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ لِأَكْلِهِمَا، حَرُمَ ثَمَنُهُمَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بِيعَا لِلرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا بِيعَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، حَلَّ ثَمَنُهُ. وَإِذَا بِيعَ لِأَكْلِهِ، حَرُمَ ثَمَنُهُ، وَطَرْدُ هَذَا مَا قَالَهُ جُمْهُورٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، كأحمد، ومالك وَأَتْبَاعِهِمَا أ. هـ. [3]

(1) كما هو مروي عند البخاري (4216) ومسلم (1407) وغيرهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حرَّم لحوم الحُمُر الإنسية يوم خبير، وهنا نكتة حديثية ذكرها ابن حجر في نكته على ابن الصلاح حيث أنَّ إحدى أسانيد هذا الحديث قد وقع فيه تدليس تسوية، حيث أسقط هُشيم مالكًا الواسطة بين يحيى بن سعيد وبين الزهري، ويحيى لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري، وفي هذا دليل على أنَّ تدليس التسوية لا يُختص بإسقاط الضعيف، بل قد يُسقط المدلس ثقة، كما فعل هُشيم مع مالك، وانظرالنكت على ابن الصلاح (ص/246) و فتح المغيث (1/ 361) .

(2) و قد نقل ابن الملقن الإجماع على جواز بيع الحُمُر الإنسية كما في الإعلام.

(3) انظر زاد المعاد (5/ 676) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت