الصفحة 32 من 39

يتّبعون الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، واتّباع الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ليس بتقليد ـ كما تقدّم ذلك في المبحث الأول ـ.

ومَنْ تفحّص القول الثالث الذي جوّز نقل الفتوى قياسًا على نقل الرّواية، والتي يُكتفى فيها بالعدالة والضّبط، يظهر له بدون خفاء أنَّ هناك فرقًا بين نقل الرّواية ونقل الفتوى، فالفتوى حكم يتعلّق بعمل للمكلّف يرتبط باستنباط وترجيح وتخريج وفهم لحال المكلّف وواقعه وعرفه، إلى غير ذلك مِمَّا يراعى عند الفتوى في واقعة معيّنة، والمقلد لا علم له بمثل هذه الأمور، ولا يستطيع أنْ يتأكَّد من مطابقة الفتوى للحادثة التي يريد نقل الفتوى بشأنها. وأمَّا الرّواية فهي عبارة عن مجرّد حكاية لقول الآخرين، ولا يلزم أنْ تكون مطابقة لواقع أو حال المكلّف، بل يمكن أنْ يروي الرّاوي نصًا من لغة لا يفهم فيها شيئًا، ويمكن لمن نُقلت له الرّواية أنْ يفسّر أو أنْ يأخذ منها أو أنْ يفهم فيها أكثر مِمَّا حصل لناقلها.

وأمَّا القول الثّاني فهو قول يصار إليه في حالة الضَّرورة التي يقتضيها عدم وجود المفتي، ولا شكّ أنَّ العمل بالفتوى المنقولة عن طريق العاميّ والمقلد ـ التي يغلب على الظنّ صحتها ـ أفضل من العمل بالجهل.

وعلى ذلك؛ فإنَّ القول الأوّل هو أرجح الأقوال؛ لأنَّ العاميّ قد لا يفهم مراد المجتهد أو فتواه في الواقعة المعيّنة، إضافة إلى أنَّ العاميّ لا يمتلك الأدوات التي تعينه في المطابقة بين ما سمعه من المفتي وبين حال المستفتي، كما أنَّ بعض الأحكام الفقهيّة لها شروط وأحوال عند تطبيقها، وقد يكون المقلد قد سمع الفتوى من المفتي دون أنْ يصرِّح المفتي بتلك الشّروط أو الأحوال، وعند ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت