فإذا كان هذا مما جاء في كتاب ابن بركة الذي اهتم بتأصيل الفقه وتقرير قواعده، واهتمّ كذلك بمقارنة الفقه الإباضي بالمذاهب الأخرى، ممّا زاده ذلك سعة في الفكر وقوّة في المناظرة.
وإدراكا منه بأهمية دراسة أصول الفقه والنظر في الروايات، وكيفية الاستنباط من الآيات القرآنية، وإعادة فروع الفقه إلى القواعد التي يسمّيها أحيانا أمهات الفقه، واستطاع في كتابه أن ينص على القواعد الخمس الكبرى إما بألفاظها أو بإشارة إليها، كما نجد الكثير من القواعد الفقهية الأخرى، ومن تلك القواعد التي اعتنى بها وعالجها هي قاعدة:"اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة:"العادة محكمة". وقد ألف كتابه المسمى"التعارف"لتوضيح العلاقة بين القاعدتين، ومن منهجه في ذلك أنَّه يلمِّح إلى القاعدة مع كثير من الفروع التي يراها تندرج تحتها؛ ليؤكِّد على أصله الذي سار عليه في الحكم على الفرع.
كقوله في قاعدة اليقين لا يزول الشك:"من شكّ في تكبيرة الافتتاح فلم يدر أكبّرها أم لم يكبرها، فالأصل أنه لم يأت بها، فلا يخرج من فرضها إلا بيقين" [1] [30] .
وما جاء في هذا المؤلَّف لن نأتي عليه في صفحات هذا البحث ولكن كان ذلك مثالا وردًّا وتوضيحا بأنّ العلاَّمة ابن بركة كان من السابقين إلى القواعد الفقهية، وإن لم تتمَّ الإشارة إليه عند الشيخ الزرقاء، أمثال: الكرخي الذي أخذ عن أبي طاهر الدباس الذي هو بدوره أخذ عن أبي زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي المتوفي 430 هـ من أئمة الحنفية في كتابه"تأسيس النظر".
وفي اعتقادي وحسب ما أشرت إليه في السابق فيما ذكره الشيخ الزرقاء، وما حدده الأستاذ الروكي بقوله فيما مضى، فالكتب أو المؤلَّفات التي تعنينا في هذا الصدد وحسب ما تمكَّنا من الوقوف عليه فهي:
كتاب"الجامع"للإمام أبي محمد بن عبد الله بن بركة، المتوفى 342 هـ [2] [31] .
1 -كتاب"القواعد"للإمام أبي الحسن الكرخي، المتوفى 340 هـ [3] [32] .
(1) [30] كتاب الجامع لابن بركة، 2/ 432.
(2) [31] أجوبة ابن خلفون، 113.
(3) [32] المدخل الفقهي العام، 2/ 954.