الصفحة 12 من 41

أمرٌ جد دقيق وحسّاس، ولا يمكن الفصل فيه بتلك السهولة؛ وعليه يجب أن يُترك ذلك لأصحاب الشأن ودون مشاحّة.

وما ذكرناه عن مؤلّْفي ومؤلَّفات القواعد الفقهية يفرض علينا-وقبل الانتقال من هذه القضية إلى غيرها-أن نأتي ولو بمثال لأحد الكتب المذكورة لتكون دليلا وشاهدا على ما نقول:

وليكن ممّن جعلناه على رأس القائمة في ذلك، وهو أبو محمد بن بركة العماني المولود في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وهو من العلماء الذين اهتمّوا بتأصيل الفقه وتقرير قواعده، واهتمّ كذلك بمقارنة الفقه الإباضي بالمذاهب الأخرى، وعمل على إعادة فروع الفقه إلى القواعد التي يسمّيها أحيانا أمّهات الفقه.

كما كانت له مؤلَّفات عديدة منها كتاب"الجامع"، وهو في ثلاثة أجزاء، إلاّ أنه عَدَت عليه عوادي الزمن ولم يَصِل منه إلينا إلا الجزءُ الأول والثاني، وقد تمّ تحقيق وطبع الجزأين في 1254 صحيفة، وممّا جاء في مقدّمته:"فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرّف أصولَ الفقه وأمّهاته؛ ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كلّ حكم في موضعه ويجريَه على سننه، ويستدلّ على معرفة ذلك بالأدلّة الصحيحة ليعلم افتراق حكم المفترق واتَّفاقَ المتّفق .." [1] [35] .

وإذا تتبّعنا ما قاله في كتابه الجامع وهو يستدلّ فيه لقاعدة:"اليقين لا يزول بالشك"وذكره للحديث النبوي «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» [2] [36] ؛ نجده يقول:"وهذا خبرٌ له تأويلٌ وشرحٌ طويل، ولن يخفى على خواصّ أصحابنا إن شاء الله؛ لأنّ الكتاب لهم جمعناه، وإياهم قصدنا" [3] [37] .

كما ألّف رسالة مستقلّة في قاعدة واحدة من القواعد الكبرى المتفق عليها وهي:"العادة محكَّمة"، سماه كتاب:"التعارف"، ومما جاء في هذا الكتاب:"فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام وخصّه بشريعة الإيمان، أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع، وأن يُثبِّت قواعدَ البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معانيَ"

(1) [35] كتاب الجامع لابن بركة، 1/ 14.

(2) [36] حديث مشهور.

(3) [37] كتاب الجامع لابن بركة، 1/ 258. ولنا عودة لهذا المصدر عند التمثيل للقواعد الفقهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت