والاجتماع، فلا يمكن لمُصلح أن يتجاوزها، ويدعها للقوى العلمانية، تفعل ما تشاء، وهي قادرة على أن تهدم كل ما يبنيه أهل الإصلاح بسهولة ويسر. ولا سيما أن الهدم عادة أسهل من البناء. فكيف بمن يهدم بالألغام الناسفة، التي تستطيع أن تجعل العمارة الشاهقة كومة من تراب في دقائق معدودات؟!
ولم تكن الدولة قديما تملك كل هذا السلطان والتأثير في يدها. بل هو من خصائص عصرنا، كما قال برتراند راسل في أحد كتبه.
ولقد ذكرت في كتابي (تاريخنا المفترى عليه) (1) : أن الدولة ومعها الخليفة الأعظم، خلال تاريخنا الإسلامي الطويل، ما كانت تملك من شؤون الأمة والمجتمع الشيء الكثير. بل كانت الدولة محصورة في إطار معين في العاصمة وربما المدن الكبرى. أما الأمة بشعوبها وجماهيرها المختلفة، فكانت في واد غير وادي السلطة، تمارس حياتها في ظل الإسلام، وبقيادة العلماء في غالب الأحوال.
كان التعليم بيد العلماء، يعلمون الناس الإسلام واللغة والآداب والتاريخ والمعارف المختلفة، كما يشاؤون.
وكان القضاء بيد العلماء، يقضون بأحكام الشريعة على الخاصة والعامة، كما يحبون.
وكانت الفتوى كذلك بأيدي العلماء، يلجأ إليهم الناس مختارين، ليجيبوهم عما يسألون في أمور الدِّين والحياة.
وكانت الأوقاف الخيرية بأيدي العلماء، ينفقون من ريعها على أبواب الخير المتنوعة، ومنها: المساجد والمدارس، أي الدعوة والتعليم كما شرط الواقفون.
فقد ظلت الأمة مستمسكة بدينها، حين انحرف الأمراء والسلاطين، وظلت متماسكة حين انفرط عقد الخلافة والسلطنة، وظلت الأمة قوية حصينة بمؤسساتها المدنية والأهلية والاجتماعية، حين ضعفت وتفككت السلطة التنفيذية، وظل
(1) انظر: ما كتبنا في الكتاب المذكور تحت عنوان: (الشريعة كانت أساس المجتمع المسلم طوال 13 قرنا) . ص 25 - 32.