فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 226

وكتب السنة والآثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد، ولم يوجد - حتى في الأمراء المعروفين بالفجور - من حاول أن يمس اتصال السياسة بالدِّين من الوِجهة العملية، وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما أذن الله به، جهالة منهم أو طغيانا.

أراد الحجاج أن يأخذ رجلا بجريمة بعض أقاربه، فذكَّره الرجل بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] ، فتركه (1) ، ولم يخطر على باله -وهو ذلك الطاغية- أن يقول له: ما تلوته دين، وما سأفعله سياسة!).

ثم قال الشيخ رحمه الله:

(فصل الدِّين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدِّين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدِّين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدِّين عن السياسة علنا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدِّين ممَّن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب لو ملكت قوة لألغت محاكم يقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرف من لا يرجو لله وقارا) (2) .

وإذا نظرنا نظرة أخرى في مقولة: (لا سياسة في الدِّين ولا دين في السياسة) نرى أنها لا تصدق على كل دين. ومن التبسيط المخل -وربما من الكذب المكشوف- اعتبار الأديان كلها بعيدة عن السياسة، والسياسات كلها بعيدة عن الدِّين.

(1) انظر: تاريخ دمشق (12/ 145) ، والبداية والنهاية (9/ 124) .

(2) انظر: مقالة (ضلالة فصل الدِّين عن السياسة) من (رسائل الإصلاح) صـ 159 - 173 طبعة المطبعة التعاونية بدمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت