وقد شرح العلامة الشيخ محمد المدني - رحمه الله: تصرف عمر شرحا علميا رصينا بمنطق فقهي سليم، يحسن بي أن أنقله هنا لما فيه من قوة ونصاعة.
قال رحمه الله: (إن حقيقة الأمر في ذلك أن عمر والصحابة الذين وافقوه ومن جاء بعدهم من العلماء، لم يخرجوا عن دائرة النص، ولم يعلقوه، وإنما فهموا أن الله سبحانه وتعالى لما قال: {والمؤلفة قلوبهم} أثبت لفريق من الناس نصيبا من الزكاة بوصف معين هو مناط الاستحقاق، ووجوب الإعطاء، هو كونهم(مؤلفة قلوبهم) .
ولما كان التأليف ليس وصفا طبيعيا يحدث للناس كما تحدث الأعراض الطبيعية، بل هو شيء يقصد إليه ولي الأمر، إن وجد الأمة في حاجة إليه، ويتركه إن وجدها غير محتاجة إليه، فإذا اقتضت المصلحة أن يؤلف أناسا وألّفهم فعلا: أصبح الصنف موجودا، فيستحق، وإذا لم تقتض المصلحة ذلك فلم يتألف أحدا، فإن الصنف حينئذ يكون معدوما، فلا يقال: إنه منعه؛ لأنه ليس معنا أحد يجري عليه الضمير البارز"منعه".
وبذلك يتبين أن النص لم يُعَطَّل ولم يُعَلَّق، وإنما المحل هو الذي انعدم، فلو أن ظرفا من الظروف على عهد عمر أو غيره من بعده قضى بأن يتألف الإمام قوما فتألفهم، لأصبح الصنف موجودا، فلا بد من إعطائه.
وقد يرد على هذا: أن المؤلفة قلوبهم كانوا موجودين فعلا على عهد عمر، وهم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تألّفهم، فعمر منعهم مع وجودهم، فلا يقال إذن: إن عدم الإعطاء لعدم وجود الصنف، وإنما هو لمعنى مصلحي قدّره عمر، وهو: أن الإسلام قد أعزّه الله، ولم يعد هناط سبب للتأليف، وهذا يتفق مع ما يقرره بعض العلماء من أن إعطاء المؤلفة قلوبهم حكم معلّل بحاجة الإسلام إلى التأليف، فإذا انتفت علّتُه انتفى، لأن الحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما.