ولقد ذكر الشيخ علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) : أن الدنيا أهون عند الله من أن ينزل في تدبير شؤونها نصوصا من وحيه (1) !!
ونسي الشيخ أو تناسى أن الله أنزل أطول آية في كتابه (القرآن) في شأن من شؤون الدنيا، وهو كتابة الدَّين وتوثيقه. وذلك في الآية (282) من سورة البقرة، المعروفة بآية المداينة. وأن (آيات الأحكام) التي عني بها المفسرون والفقهاء تعد بالمئات.
وكل أصحاب الأديان كان لهم مشاركات في توجيه الحياة السياسية، حتى الكنيسة المسيحية التي قرأت قول الإنجيل: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، لم تأخذه بحرفيته، وحاولت أن تتدخل في شأن قيصر وأن توجهه، وربما نزعت السلطة منه.
وقد اختار شيخنا العلامة محمد الخضر حسين -شيخ الأزهر في زمانه- أن يعبر عن فصل الدِّين عن السياسة -الذي دعا إليه أحد الكُتَّاب- بعبارة (ضلالة) وهو تعبير شرعي صحيح، لأنه أمر مُحْدث ومبتدع في الأمة، وكل بدعة ضلالة، كما في الحديث الصحيح (2) .
وقد كتب في ذلك مقالة طويلة نشرها في مجلة (نور الإسلام) (3) ، ثم وضعها في كتابه (رسائل الإصلاح) .
ومما قاله الشيخ في هذه المقالة العلمية الرصينة:
(1) انظر: الإسلام وأصول الحكم صـ 154.
(2) إشارة إلى حديث جابر:"كان رسول الله إذا خكب احمرّت عيناه"، وفيه:"وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة"رواه مسلم في الجمعة (867) ، وأحمد في المسند (14334) ، والنسائي في صلاة العيدين (1578) ، وابن ماجه في المقدمة (45) .
(3) التي كان يرأس تحريرها، وكانت هي مجلة علماء الأزهر، وقد بدل اسمها بعد ذلك، وسميت (مجلة الأزهر) .