ومما أثاروه من الشبهات التي رتَّبوها على صلة الدِّين بالسياسة: أن اللجوء إلى الدِّين في شؤون السياسة والحكم وإدارة الدولة، يصيب الحياة بالجمود والعفن، ويجعلها كماء البِرَك الآسن، لا تتطور ولا تتحسن ولا تتجدد، لأن طبيعة الدِّين (الثبات) وطبيعة الحياة (التغير) . بل نرى نصوص الدِّين تعتبر كل تغيير أو إحداث أو تجديد: بدعة في الدِّين، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ولهذا يجب على أهل الدِّين أن يقاوموها، ولا يسكتوا عليها.
وهذا الكلام يشتمل على كثير من الخلط والتلبيس. ولا يتفق مع حقائق الإسلام الناصعة، وأحكامه القاطعة، وتعاليمه المحكمة. كما لا يتفق مع حقائق الحياة أيضا.
فالإسلام يدعو إلى الاجتهاد والتجديد في الدِّين، والعلماء يعتبرون الاجتهاد في الدِّين من (فرائض الكفاية) التي تجب على الأمة متضامنة، بحيث إذا توافر لها عدد من المجتهدين يلبون الحاجة، ويسدون الثغرة، ويؤدون الواجب، فيما يعتري الأمة من مشكلات مستجدة، تتطلب الحل، وواقعات لم يسبق لعلمائنا الماضين أن عرفوها، فهنا تكون الأمة قد أدت ما عليها وبرئت من الإثم. وإلا أثمت الأمة عامة، وأولو الأمر والشأن فيها خاصة.
ويجب على الأمة أن تتخذ من الوسائل والأسباب والآليات العلمية والتربوية