-وهو مذهب الحنابلة - خالفته مذاهب أخرى، وإن كان ما ذكره ابن القيم هو الراجح للأدلة التي استند إليها.
وفي هذا الاختلاف بين المذاهب والفقهاء سَعَة ورحمة للأمة، بصفة عامة، وفي مجال السياسة بصفة خاصة. لا لننظر في الأقوال ونأخذ منها ما نشتهي وما يحلو لنا، دون ترجيح بأي معيار، فهذا ليس إلا اتِّباعا للهوى. ولكن هذه الثروة الكبيرة تتيح فرصة أوسع للانتقاء، والترجيح بين الآراء، واختيار ما هو أليق بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، التي لأجلها نزلت الشريعة.
ما ذكرناه في الصحائف السابقة يتعلَّق بموقف الفقهاء من مصطلح (السياسة) وتحديد مفهومها، ونظرتهم إليها بين موسِّع ومضيِّق.
ولكن إذا نظرنا إلى (السياسة) من حيث (المضمون) وهو: ما يتعلَّق بتدبير أمور الرعية، وأداء الحقوق والأمانات إليهم، ونحو ذلك، فقد تحدث الفقهاء عن ذلك حديثا أطول، بعضه في داخل كتب الفقه في أبواب معروفة مثل: باب الأمانة، والقضاء، والحدود، والجهاد، وغيرها. وبعضه في كتب خاصة عنيت بموضوعات الحكم والسياسة والإدارة والمال وغيرها، كما رأينا في كتب معروفة، مثل: (الأحكام السلطانية) لأبي الحسن الماوردي الشافعي (ت 450 هـ) ، ومثله بنفس العنوان لأبي يعلى الفراء الحنبلي (ت 456 هـ) ، و (غياث الأمم في التياث الظلم) أو (الغِياثي) لإمام الحرمين الجويني الشافعي (ت 476 هـ) ، و (السياسة الشرعية) لابن تيمية الحنبلي (ت 728 هـ) ، و (الطُّرق الحُكمية) لابن القيم (ت 751 هـ) ، وتبصرة الحكام لابن فرحون المالكي (ت 799 هـ) ، وتحرير الأحكام لابن جماعة (ت 819 هـ) ، ومُعِين الحكام للطرابلسي الحنفي (ت 844 هـ) وغير ذلك مما أُلِّف ليكون مرجعا للقضاة والحكام.
وهناك الكتب التي تتعلَّق بسياسة المال خاصة، مثل: (الخراج) لأبي يوسف أكبر