ومن الضروري هنا: أن نبيِّن أن المصلحة التي يتحدث عنها علماء الشريعة الإسلامية، ليست هي المصلحة التي يتحدث عنها الغربيون ... إن المصلحة عند الغربيين تدور حول (اللذة) كما يذهب كثير من الفلاسفة، أو حول (القوة) كما يذهب إلى ذلك منظرو السياسة. وليس هناك ضوابط لتحصيل القوة عند هؤلاء أو اللذة عند أولئك.
والأفراد يتنافسون في ذلك، وكذلك الأقوام والأمم تتنافس في ذلك، بدون ضابط من وازع ديني أو أخلاقي.
المصلحة هنا مصلحة مادية لا روحية، دنيوية لا أخروية، فردية لا اجتماعية، آنية لا مستقبلية، قومية لا إنسانية.
أمَّا المصلحة التي قصدت الشريعة إلى إقامتها وحفظها، فهي أشمل من ذلك وأوسع. فهي ليست المصلحة الدنيوية فحسب، كما يدعو خصوم الدِّين، ولا المصلحة المادية فقط، كما يريد أعداء الروحية، ولا المصلحة الفردية وحدها، كما ينادي عشَّاق الوجودية وأنصار الرأسمالية، ولا مصلحة الجماعة أو البرولتاريا، كما يدعو إلى ذلك أتباع الماركسية والمذاهب الجماعية، ولا الملصلحة الإقليمية العنصرية كما ينادي بذلك دعاة العصبية، ولا المصلحة الآنية للجيل الحاضر وحده، كما تتصور بعض النظرات السطحية. إنما المصلحة التي قامت عليها الشريعة في كلياتها وجزئياتها، وراعتها في عامة أحكامها، هي المصلحة التي تسع الدنيا والآخرة، وتشمل المادة والروح، وتوازن بين الفرد والمجتمع، وبين الطبقة والأمة، وبين المصلحة القومية الخاصة والمصلحة الإنسانية العامة، وبين مصلحة الجيل الحاضر ومصلحة الأجيال المستقبلة، والموازنة بالقسط بين هذه المصالح المتقابلة المتضاربة في كثير من الأحيان لا ينهض بها علم بشر، وحكمة بشر، وقدرة بشر.
فالبشر أعجز من أن يحيط بكُنْه هذه المصالح ويوفِّق بينها، ويعطي كل ذي حق منها حقه بالقسطاس المستقيم. وعجزه يأتي من ناحيتين: