ومن هنا سقطت دعوى أن الدِّين كله ثابت، وأن الحياة كلها متغيرة.
وأود أن أنبه هنا إلى: أن الإسلام لا يمنع تطور الحياة، وانتقالها من السيئ إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن. بل نرى الإسلام أبدا يشوق المسلم إلى (التي هي أحسن) في كثير من الأمور، فهو يحاور بالتي هي أحسن، ويدفع إساءة المسيء بالتي هي أحسن، ويقرب مال اليتيم بالتي هي أحسن.
و يتطلع دائما إلى (الأحسن) في كل شيء، كيف لا وقد علمه القرآن ذلك حين قال: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر:55] ، وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:17،18] .
ولقد رأينا الرسول الكريم يعني بأمر (الإحصاء) قبل أن يهتم به البشر، فطلب من أصحابه أن يحصوا له عدد مَنْ يلفظ بالإسلام فأحصوا له، فكانوا ألفا وخمسمائة رجل (1) .
وفي بعض الروايات:"اكتبوا لي ..." (2) ، فهو إحصاء يُراد تدوينه وكتابته.
وهو عليه الصلاة والسلام، يقدر التجربة في شؤون الدنيا، ويبني عليها نتائجها، فحين رأى في بعض أمور الزراعة أمرا، وأظهرت النتائج خلافه، قال لهم بكل وضوح:"أنتم أعلم بأمر دنياكم" (3) . فأنتم المرجع المعتبر في الأمور الفنية والدنيوية التي تحسنونها، دون حاجة إلى الرجوع إلى الوحي (4) .
وهو لم يكتفِ بدعوتهم إلى العمل لدنياهم: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] ، {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [المُلك:15] .
(1) رواه مسلم في الإيمان (149) عن حذيفة، وأحمد في المسند (23259) ، والنسائي في الكبرى كتاب السير (5/ 276) .
(2) رواه البخاري في الجهاد والسير (3060) عن حذيفة، والبيهقي في الكبرى كتاب قسم الفيء والغنيمة (6/ 363) .
(3) رواه مسلم في الفضائل (2363) عن أنس، وأحمد في المسند (12544) ، وابن ماجه في الرهون (2471) .
(4) انظر: كتابنا (السنة مصدرا للمعرفة والحضارة) فصل:"السنة التشريعية".