بل حثَّهم على أن يحسنوا العمل، ويَبْلُغُوا به درجة الإتقان والإحكام، وجعل ذلك فريضة دينية مكتوبة عليهم، فقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (1) .
والإحسان هو: الاتقان الذي يحبه الله، فهو تعالى يحب المحسنين، ويحب من أحدنا إذا عمل عملا أن يتقنه.
ومن توجيهات القرآن الاقتصادية الرائعة: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152، الإسراء:34] .
على معنى أن يبحث وليّ اليتيم عن أمثل الطُّرُق للمحافظة على مال اليتيم من جهة، وعلى تثميره وتنميته من جهة أخرى، بحيث يبقى أصله سليما، وتتابع ثمراته باستمرار. وفي هذا يتنافس أهل المعرفة بالمال، والخبرة بالاقتصاد، والعارفون بطُرُق التشغيل والاستثمار. فلو وجدت طريقة أو أكثر لتنمية مال اليتيم، طريقة حسنة، وطريقة أحسن منها، فالقرآن ينهى أن يُقْتَرَب من هذا المال إلا بالطريقة الأحسن والأفضل.
وإنما وصَّى بمال اليتيم خاصة، لأن الناس - بطبيعتهم وفطرتهم - مهتمُّون بتثمير أموالهم الخاصة، وقد يهملون أمر مال اليتيم، فنُبِّهوا عليه، حتى لا يغفلوا عنه.
وتوجيه القرآن العناية إلى حسن استثمار أموال اليتامى، فيه إشارة واضحة إلى العناية بحسن استثمار أموال الأمة كلها، وأن يكون بالطريقة التي هي أحسن وأفضل، في حفظ الأصول، وتنمية الفروع، فالمال هو قوام المعيشة، وعصب الحياة، ونعم المال الصالح للفرد الصالح، وللجماعة الصالحة أيضا.
(1) رواه مسلم في الصيد والذبائح (1955) عن شداد بن أوس، وأحمد في المسند (17113) ، وأبو داود في الضحايا (2815) ، والترمذي في الديات (1409) ، والنسائي في الضحايا (4405) ، وابن ماجه في الذبائح (3170) .