إن السماء هي السماء، والأرض هي الأرض، والبحار هي البحار، والشمس والقمر والنجوم لا تزال تسير في أفلاكها مسخرة بأمر ربها، تحكمها سسن ثابتة لا تتغير ولا تتحول: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43] .
قد تتغير بعض الأشياء تغيرا جزئيا وعَرَضِيا، كأن ينجح الإنسان في تخضير الصحراء، وقد يغلب التصحر الإنسان فيأكل الأرض الخضراء، وقد يطغى البحر على اليابسة فيأخذ منها، وقد يردم الإنسان جزءا من البحر، فيضمه إلى اليابسة، وقد يحول الإنسان ماء البحر الملح الأجاج إلى عذب فرات سائغ شرابه ... إلى غير ذلك من التغيرات المحدودة، التي لا تنال من ثبات جوهر الكون والحياة.
والإنسان قد تغيرت قدراته وإمكاناته، وتغيرت معارفه ومعلوماته، فأمسى يحلق في الهواء كالطير، ويغوص في البحار كالحوت، ويختصر المسافات، ويضاعف القدرات، ويهتدي إلى الثورات العلمية الهائلة: الإلكترونية والتكنولوجية والبيولوجية والنووية والفضائية، وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات.
ومع هذا كله، ظل الإنسان هو الإنسان في جوهره وحقيقته، بعقله وعاطفته وضميره، وجسمه وروحه، باستعداده للخير والشر، وللفجور والتقوى.
بقي الإنسان الخَيِّر الطيب الذي تمثل في ابن آدم الأول الذي سُمي (هابيل) ، وبقي كذلك الإنسان الشرير الخبيث الذي تمثل في ابن آدم الثاني الذي سُمي (قابيل) .
نعم، تطورت أدوات القتل وأساليبه عما كانت من قبل، وأصبح في استطاعة الإنسان أن يخفي جثة القتيل بإذابتها بواسطة محاليل كيميائية معينة، ولكن جوهر الخير والشر ظلاَّ كما هما في إنسان عصرنا كما كانا في العصر الأول.