القطعية، التي عليها تجتمع الأمة، وتتجسد فيها وحدتها العَقَدِيَّة والفكرية والشعورية والعملية. وهي تمثل (ثوابت الأمة) التي لا يجوز اختراقها ولا تجاوزها. وربما كانت هي قليلة جدا، ولكنها مهمة جدا.
أما معظم أحكام الشريعة فهي ظنية، وهي قابلة للاجتهاد والتجديد واختلاف الآراء، وفيها يتغير الاجتهاد، وتتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال. ففي هذا المجال الرحب يعمل العقل الإسلامي، ويصول ويجول مهتديا بما أنزل الله من الكتاب والميزان.
ولا غرو أن اختلفت المذاهب والمشارب، واختلف أهل المذهب الواحد فيما بينهم في مسائل شتَّى، واختلف قول الإمام الواحد في المسألة الواحدة ما بين فترة وأخرى، وكان ذلك موضع قبول وترحيب من علماء الأمة الذين أعلنوا بكل وضوح: أن اختلاف العلماء رحمة واسعة، كما أن اتفاقهم حجة قاطعة (1) .
ولهذا دخلت الشريعة بلاد الحضارات المختلفة في فارس والعراق والشام ومصر والهند وغيرها، فما عجزت عن علاج مشكلة، ولا ضاق صدرها بجديد يعرض عليها، بل وجدت في سَعَة نصوصها، وشمول قواعدها، وعموم مقاصدها: ما يفي بكل مطلب، وما يجيب على كل تساؤل.
لقد علمنا الإسلام - بمُحكمات نصوصه، وكليات قواعده- أن نفرق بين المقاصد والوسائل، وبين الأصول والفروع، وبين الكليات والجزئيات، فنحرص على الثبات في المقاصد والغايات، وعلى المرونة في الوسائل والآليات، على الثبات في الأصول والكليات، وعلى المرونة في الفروع والجزئيات. وبهذا لا نقف في وجه التطور والإبداع، إلا إذا كان مسخا لهوية الأمة وذاتيتها باسم التطور.
هذه نظرتنا إلى الدِّين، فيه ثبات وفيه تغير، فإذا نظرنا إلى الحياة لم نجد الحياة كلها متغيرة كما زعم الزاعمون. بل جوهر الحياة ثابت، وجوهر الإنسان ثابت، وجوهر الكون ثابت. والأعراض هي التي تتغير.
(1) كما قال ذلك ابن قدامة في مقدمة كتابة المغني (1/ 4) طبعة هجر. القاهرة.