ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر في الزنى، وشرب الخمر، وما في معناهما.
إن الاستهانة بكرامة الشعب منكر أي منكر، وتزوير الانتخابات منكر أي منكر، والقعود عن الإدلاء بالشهادة في الانتخابات منكر أي منكر، لأنه كتمان للشهادة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله منكر أي منكر، وسرقة المال العام منكر أي منكر، واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة منكر أي منكر، واعتقال الناس بغير جريمة حكم بها القضاء العادل منكر أي منكر، وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات منكر أي منكر، ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها منكر أي منكر، وتملُّق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم منكر أي منكر، وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين منكر أي منكر.
وهكذا نجد دائرة المنكرات تتَّسع وتتَّسع لتشمل كثيرًا مما يعدُّه الناس في صُلب السياسة.
فهل يَسَع المسلم الشحيح بدينه، الحريص على مرضاة ربه، أن يقف صامتًا؟ أو ينسحب من الميدان هاربًا، أمام هذه المنكرات وغيرها ... خوفًا أو طمعًا، أو إيثارًا للسلامة؟
إن مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها، وحُكِم عليها بالفناء، لأنها غَدَت أمة أخرى، غير الأمة التي وصفها الله بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .
ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف إذ يقول: «إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِيْ تَهَابُ أَنْ تَقُوْلَ لِلظَّالِمِ: يَا ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ» (1) . أي فقدوا أهلية الحياة.
إن المسلم مطالب - بمقتضى إيمانه - ألا يقف موقف المتفرج من المنكر، أيًا كان نوعه: سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بل عليه أن يقاومه ويعمل
(1) رواه أحمد في المسند (6521) ، وقال محققوه: إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن أبا الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو فيما قال أبو حاتم في المراسيل، ونقله أيضا عن ابن معين، ونقل ابن عدي في الكامل قوله: لم يسمع أبو الزبير من عبد الله بن عمرو ولم يره، والبزار في المسند (6/ 362) ، والحاكم في المستدرك كتاب الأحكام (4/ 108) ، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى كتاب الغصب (6/ 95) ، عن عبد الله بن عمرو، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح وكذلك إسناد أحمد إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط (7/ 531) .