وذهب بعض الجهلة عن غِرة وغباوة: أن ما جرى في صدر الاسلام من التخفيفات، كان سببها أنهم كانوا على قرب عهد بصفوة الإسلام، وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير، والمقدار القريب من التعزير، وأما الآن، فقد قست القلوب، وبعدت العهود، ووهنت العقود، وصار متشبث عامة الخَلق الرغبات والرهبات، فلو وقع الاقتصار على ما كان من العقوبات، لما استمرت السياسات) (1) .
ويرد ذلك الرأي بعنف، ويدفعه بقوة، قائلا: (وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسببٌ إلى مضادة ما ابتُعِث به سيد الأنبياء) (2) .
ويستمر في تسفيه هذا الرأي قائلا: (وعلى الجملة من ظنَّ أن الشريعة تُتلقى من استصلاح العقلاء، ومقتضى رأي الحكماء، فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة) (3) .
= البُناني: شيخ شيوخنا المحقق محمد بن عبد القادر: هذا الكلام لا يجوز أن يسطر في الكتب؛ لئلا يغتر به بعض ضعفة الطلباء، وهذا لا يوافق شيئا من القواعد الشرعية.
الشهاب القرافي: ما نقله إمام الحرمين عن مالك: أنكره المالكية إنكارا شديدا، ولم يوجد في كتبهم. ابن الشماع: ما نقله إمام الحرمين لم ينقله أحد من علماء المذهب، ولم يخبر أنه رواه نقلته، إنما ألزمه ذلك، وقد اضطرب إمام الحرمين في ذكره ذلك عنه، كما اتضح ذلك من كتاب (البرهان) . وقول المازري: ما حكاه أبو المعالي صحيح: راجع لأول الكلام. وهو: أنه كثيرا ما يبني مذهبه على المصالح، لا إلى قوله: نقل عنه قتل الثلث إلخ، أو أنه حمله على تترس الكفار ببعض المسلمين، وقوله: مالك يبني مذهبه على المصالح كثيرا: فيه نظر؛ لإنكار المالكية ذلك إلا على وجه مخصوص حسبما تقرر في الأصول، ولا يصح حمله على الإطلاق والعموم حتى يجري في الفتن التي تقع بين المسلمين وما يشبهها. وقد أشبع الكلام في هذا شيخ شيوخنا العلامة المحقق أبو عبد الله سيدي العربي الفاسي في جواب له طويل، وقد نقلت منه ما قيدته أعلاه، وهو تنبيه مهم تنبغي المحافظة عليه لئلا يغتر بما في التوضيح اهـ. وأما تأويل"ز"بأن المراد قتل ثلث المفسدين إذا تعين طريقا لإصلاح بقيتهم فغير صحيح، ولا يحل القول به، فإن الشارع إنما وضع لإصلاح المفسدين الحدود عند ثبوت موجباتها، ومن لم تصلحه السنة فلا أصلحه الله تعالى، ومثل هذا التأويل الفاسد هو الذي يوقع كثيرا من الظلمة المفسدين في سفك دماء المسلمين نعوذ بالله من شرور الفساد). انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها صـ 514، 515. وانظر: كلام إمام الحرمين في البرهان (2/ 733، 783، 785) .
(1) فقرة: 321، 322. من (غياث الأمم) .
(2) فقرة: 323.
(3) فقرة: 323.