ولا يفوته في هذا المقام أن يقف في وجه رجال الأمن الذين (يرون ردع أصحاب التهم، قبل إلمامهم بالهنات والسيئات) ، ويقول: (إن الشرع لا يرخص في ذلك) (1) .
هذا هو رأي إمام الحرمين، في تشديده وتضييقه، وإن كان يخالف ما ذكره القرافي! وهو هنا يمثل فقه الشافعية، وكيف لا، وهو الذي تشير إليه كتب المذهب بـ (الإمام) فإذا قالوا: قال الإمام، فليس غير إمام الحرمين.
وأما مذهب مالك، فقد نقل ابن فرحون في (تبصرة الحكام) عن القرافي قوله: إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع، بل تشهد له الأدلة، وتشهد له القواعد. ومن أهمها كثرة الفساد وانتشاره، والمصلحة المرسلة التي قال بها مالك وجمع من العلماء (2) .
ولا ريب أنَّ أخذ الإمام مالك بالمصلحة المرسلة، واشتهاره بها، وتوسُّعه فيها أكثر من غيره، يجعل له رخصة في مساحة أرحب في التفكير السياسي، والتصرف السياسي، للأئمة والأمراء.
ولهذا نجد الإمام القرافي في كتابه (تنقيح الفصول) حين استدل على شرعية المصلحة المرسلة، اتخذ أمثلته وشواهده، من تصرفات الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، وأنهم عملوا أمورا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة أبي بكر للمصحف، ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى (بين ستة) ، وتدوين الداواوين، وعمل السِّكة (النقود) ، واتخاذ السجن، فعل ذلك عمر رضي الله عنه، وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، فعله عثمان رضي الله عنه (3) .
(1) فقرة:334.
(2) انظر: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/ 150 - 152) طبعة الحلبي. مصر.
(3) انظر: تنقيح الفصول للقرافي صـ 199.