فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 226

(عمر) لـ (نصر بن حجاج) ، فإنه ورد أنه قال لـ (عمر) : ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ذنب لك، وإنما الذنب لي؛ حيث لا أطهر دار الهجرة منك (1) . فقد نفاه؛ لافتتان النساء به، وإن لم يكن بصنعه، فهو فِعلٌ لمصلحة، وهي قطع الافتتان بسببه في دار الهجرة التي هي من أشرف البقاع، ففيه رَد وردع عن منكر واجب الإزالة! وقالوا: إن التعزير موكول إلى رأي الإمام.

فقد ظهر لك بهذا أن باب التعزير هو المتكفل لأحكام السياسة، وسيأتي بيانه، وبه عُلِم أن فعل السياسة يكون من القاضي أيضا، والتعبير بالإمام ليس للاحتراز عن القاضي، بل لكونه هو الأصل والقاضي نائب عنه في تنفيذ الأحكام) (2) .

ويبدو من كلام فقهاء الحنفية: أن السياسة تتعلَّق بجانب العقوبات والتأديب لا تتعداه. ولذا قالوا: إن السياسة والتعزير مترادفان.

والذي أرجحه: أن السياسة أعم من التعزير، فهي تدخل في أكثر من مجال في

(1) كان في نفسي شيء من فعل سيدنا عمر رضي الله عنه، الذي اشتهر بإقامة العدل، وإنصاف المظلوم من ظالمه، ولو كان واليا من ولاته. فكيف يعاقب رجلا لا ذنب له، إلا أن الله خلقه جميلا، يخرجه من داره، لمجرد أن امرأة ذكرته في شعرها! وإذا كان يخاف منه على نساء المدينة، أفلا يخاف منه على نساء البصرة؟

ثم ترجَّح عندي أن أبحث عن سند القصة، فلعلها -رغم شهرتها- لم تثبت بطريق صحيح على منهج المحدثين. وبعد الرجوع إلى أسانيد القصة: وُجد أن أصح طرقها لم يروها أحد شاهدها أو عاصرها من الصحابة أو التابعين، كما أنها لم ترو بسند صحيح متصل. وقد روى القصة اثنان من التابعين:

الأول: الشعبي، (رواها أبو نعيم في الحلية: 4/ 322) ، وقد مات عمر وعمره أربع سنوات، ولذا قال الذهبي وغيره: لم يسمع من عمر، على أن السند إلى الشعبي فيه عدد من الضعفاء، حتى إن منهم من اتهم بالكذب! والثاني: عبد الله بن بريدة، (رواها ابن سعد في الطبقات: 3/ 285) ، وهو لم يشهد القصة أيضا، فقد مات عمر وهو في السابعة من عمره، ولذا قالوا: لم يسمع من عمر. على أن ابن بريدة ذاته كان في نفس الإمام أحمد منه شيء، وبعض من روى عنه فيه كلام كثير.

وهناك طرق أخرى كلها أضعف من هاتين الطريقين، رواها ابن عساكر، ولهذا لم نذكرها.

وبهذا لم تثبت هذه القصة بسند تقوم به الحجة، وتصبح من المسلمات التاريخية، وتحسب على الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(2) انظر: حاشية ابن عابدين جـ 12 صـ 49 - 52 طبعة دار الثقافة والتراث. دمشق سورية. بتحقيق د. حسام الدين فرفور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت