وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن. ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف (1) ، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي رضي الله عنه، الزنادقة في الأخاديد، فقال:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قُنْبرا (2)
ونفي عمر رضي الله عنه لنصر بن حجاج. اهـ.
قال ابن القيم مُعلِّقا:
(وهذا موضع مَزَلَّة أقدام، ومَضَلَّة أفهام. وهو مقام ضنك، ومعترك صعب.
فرط فيه طائفة: فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها. وسدوا على نفوسهم طُرُقا صحيحة من طُرُق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا: أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولَعَمْرُ الله! إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نَفَتْ ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم.
والذي أوجب ذلك:
1 -نوع تقصير في معرفة الشريعة.
2 -وتقصير في معرفة الواقع.
3 -وتنزيل أحدهما على الآخر.
فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر، إلا بأمر وراء ما
(1) وذلك لما أدخل بعض الصحابة في مصاحفهم تفسير بعض الكلمات، ثم أخذ القراء ينقلون هذه المصاحف، وبعضهم لا يفرق المُفَسَّر من المُفَسِّر، جمع عثمان المصاحف كلها وأحرقها بموافقة الصحابة، وكتب المصحف الإمام. وألزم الناس ألا يأخذوا إلا عنه.
(2) هو غلام علي رضي الله عنه، وانظر: التمهيد لابن عبد البر: 5/ 318، وتاريخ دمشق: 42/ 476.