هو الإمام، وصناعته هي صناعة المُلك، والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس الدِّين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره. وأما من أعرض عن ذلك فيسمونه متغلبًا، ولا يؤهلونه لاسم الملك. وذلك أن الدِّين هو وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى، والمُلك هو حارس هذا الوضع الإلهي حافظ على الناس ما أخذوا به.
وقد قال حكيم الفرس ومَلِكهم أزدشير: إن الدِّين والمُلْك أخوان توأمان، لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فالدِّين أسّ والمُلك حارس، وكل ما لا أسّ له فمهدوم، وكل ما لا حارس له فضائع) (1) .
وأما الحكيم الآخر: فهو أقرب إلى الدِّين منه إلى الفلسفة، وإن كان في نظراته عمق الفيلسوف الأصيل، ولكنه فيلسوف ديني، تصدر أفكاره معبِّرة عن الثقافة الإسلامية.
ذلك هو الإمام الحسن بن محمد بن المفضَّل المعروف بـ (الراغب الأصفهاني) صاحب كتاب (مفردات القرآن) -المعترف بفضله وقدره في (علوم القرآن) - وكتاب (تفصيل النشأتين) وغيرهما.
وقد تحدَّث عن (السياسة) في كتابه الفريد (الذريعة إلى مكارم الشريعة) ، وهو أيضا كتاب في فلسفة الأخلاق، التي سماها (مكارم الشريعة) . قال رحمه الله:
(والسياسة ضربان: أحدهما: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به.
والثاني: سياسة غيره من ذويه وأهل بلده، ولا يصلح لسياسة غيره مَن لا يصلح لسياسة نفسه، ولهذا ذمَّ الله تعالى من ترشَّح لسياسة غيره، فأمر بالمعروف ونهى عن المكر، وهو غير مهذب في نفسه، فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] .
(1) انظر: تهذيب الأخلاق صـ 129 من منشورات مكتبة الحياة. بيروت. طبعة ثانية، ويلاحظ أن عبارة أزدشير: قد اقتبسها الإمام الغزالي وأودعها كتابه إحياء علوم الدين (1/ 17) طبعة دار المعرفة. بيروت.