فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 226

قال: (والسبب في ذلك: أنهم لخُلُق التَّوحش الذي فيهم، أصعبُ الأمم انقيادًا بعضهم لبعض للغلظة والأَنَفَة، وبُعد الهمَّة والمنافسة في الرِّياسة؛ فقلَّما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدِّين بالنبوة أو الولاية(أي الولاية لله بالتقوى) ، كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خُلُق الكِبر والمنافسة منهم، فسهُل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدِّين المُذْهِب للغِلظة والأَنَفَة، والوازع عن التَّحاسد والتَّنافس. فإذا كان فيهم النَّبي أو الوَلِي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويُذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها، ويؤلِّف كلمتهم لإظهار الحق، تمَّ اجتماعهم، وحصل لهم التَّغلب والمُلك. وهم مع ذلك أسرع الناس قَبولا للحق والهُدى لسلامة طباعهم من عِوَج المَلَكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق، إلا ما كان من خُلُق التَّوحش القريب المعاناة، المُتهيِّئ لقَبول الخير، ببقائه على الفطرة الأولى، وبُعده عمَّا ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء المَلَكات فإن كل مولود يولد على الفطرة (1) ، كما ورد في الحديث) (2) .

كما عقد ابن خلدون فصلا أكَّد فيه: أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها. قال: (والسبب في ذلك -كما قدمناه: أن الصبغة الدِّينية تذهب بالتَّنافس والتَّحاسد الذي في أهل العصبية، وتُفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم: لم يقف لهم شيء؛ لأن الوجهة واحدة، والمطلوب متساوٍ عندهم، وهم مستميتون عليه، وأهل الدَّولة التي هم طالبوها -إن كانوا أضعافهم- فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لِتَقيَّة الموت حاصل، فلا يُقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم، ويُعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذُّل كما قدمناه.

وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات. فكانت جيوش المسلمين

(1) إشارة إلى حديث:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تَنْتِجُون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء؟ ..."، وقد رواه البخاري في القدر (6599) عن أبي هريرة، ومسلم في القدر (2658) ، وأحمد في المسند (8179) ، والترمذي في القدر (2138) ، وأبو داود في السنة (4714) .

(2) مقدمة ابن خلدون صـ 160 طبع مؤسسة الرسالة ناشرون. دمشق - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت