ومن تام هذا الفهم لهذه الأمثلة الشخصية البسيطة في الحياة ليومية أن نفهم ما هو أكبر منها مما يجرى على وتيرتها في حياة الأمم وأجيال المسلمين، فإن الموازين الايمانية لا تقتصر صحتها على المعنى الوجدانى فيها، وهو ما يسبق إلى ذهن المستعجل في فهم الإيمان، وإنما تتعداه إلى معنى التأثير الفعلى في الحياة فمن الموازين مثلًا: أن الكاذب لابد أن يفتضح. وعلينا كمؤمنين أن ننتظر ساعة يفتضح فيها من يكذب ولابد، ننتظزرها كما ننتظر أى حدث مادى، كشروق شمس أو نزول مطر إذا أغلقت السماء. ومن الموازين: (( إن الله لا يصلح عمل المفدسين ) )وقريب منه ميزان (( وأن الله لا يهدى كيد الخائنين ) )، وإن الخطيئة الأولى تجلب ثانية، والثانية تجلب ثالثة، عقوبة من الله، حتى يغلق القلب على ظلمة، وبعكس هذه الموازين: التوفيق الذى يحيط المهتدى والصادق وفق ميزان: (( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) )وأمثاله.
وكل هذه الموازين نتداولها وكأننا ننتظر الآخرة ليحيق المكر السىء بأهله ويثاب المؤمن، وهذا جزاء من الحق، وجزؤه الآخر هو الاعتقاد بأن الحياة البشرية الدنيا محكومة بهذه الموازين جزمًا، ولكن لا يرى بعضهم آثارها لأنها لا تظهر دائمًا بسرعة، بل قد تمتد لفترة زمنية لتظهر، فينسى الرابط بين الفعل والعقوبة أو الثواب. فكما أن النظرة الفلكية الأولى لم تفصح عن وجود لبنات بناء الكون حتى توسعت الرقعة المدروسة وتضاعفت مساحة العين التلسكوبية اليباصرة، فكذلك نحتاج امتدادًا زمنيًا ومكانيًا لتكون المادة المختبرية لبرهان صدق الموازين الايمانية كافية، وبدلًا أن ندرس آثارها على مدى سنوات: ندرسها على مدى أجيال أحيانًا، مع اعتقادنا بأ، العقوبة قد تأتى في اللحظة نفسها أحيانًا، مثل مئات قصص يرويها الثقات على مدى الأجيال عن شاهد زور حلف بالقرآن أمام القضاء كاذبًا، فعمى فورًا، أو مغتاب يغتاب فيكوى لسانه بلقمة حارة فورًا، وأشباه ذلك .