وعنده أن نوع المواد والمكننة المتاحة تؤثر في معنى العمارة، ولذلك كان من آثار تطوير الأعمدة باستعمال الحديد والخرسانة: تقليل مهمة الجدران في إسناد البناء عمومًا وحمل ثقل السقف والطوابق العليا بخاصة، فأتيح للمعمارى وضع النوافذ العريضة الطويلة وكثرة استعمال الزجاج، فأتيحت من ثم الإنارة الوافرة والإطلالة على الجمال المحيط بالمبنى من خضرة ومياه من داخل المبنى. وهذه موازين تصلح للتخطيط الإسلامى، إذ ان وجود رجال الصفوة والقاعدة الصلبة يتيح انفتاح الجماعة الدعوية على المجتمع وتكثيف الخلطة به ، لرجحان التأثير وقلة الخوف من التأثر. وكذلك الانفتاح على الثقافة الشمولية والفنون والمعرفة العالمية، لوفرة الاطمئنان إلى ثبات عناصر الدعاة وقابليتهم - إذ هم أقوياء - على التمييز وانتقاء المعانى الصائبة وغربلة المسموع والمقروء، ونبذ واطراح اللغو والأخطاء والأوهام، بينما تميل الدعوة في حالة ضعف تربية رجاهلا إلى عصمتهم عن تأثيرات المجتمع والثقافات بالعزلة والانكفاء على النفس.
وعنده أن العمارة طراز فردى وطراز عام في آن واحد، وأحدهما يؤثر في الآخر، فالمعمارى ينوب عن المجتمع العام في تحديد شكل عمارته، فيترك أثره الفردى، ثم هو في إبداعه الخاص لا يوغل في الفردية، لئلا يشذ ويغرب، فكأن المجتمع صار رقيبًا عليه. وهذا هو دور مجالس الشورى والندوات الفكرية وحلقات لحوار في الجماعة الإسلامية، بحيث تستفز الجماعة الداعية ليفكر ويجرب مغامرات العقل وطلب المعانى من مواطن المعالى، ولكنها في الوقت نفسه تجعل له مثابة دائمة تحت مظلة الرقابة الجماعية يفئ إليها ويرجع كلما غزا وجاب الصحراء.
وبكل هذا وضحت كيفية استيلاء المعماريين على صناعة الحياة، حتى أنهم ليكادون يحتكرونها في ظن المسترسل مع حماستنا لهم، لولا أن يرده ما يعلم من أن أهل الفضل والعلوم والتخصصات قد توزعتهم دائرة مفرغة مغلقة لا تعرف لها طرفًا .