والمستعجل يظن نورى السعيد هذا مجرد خائن، وهو كذلك، ولكنه من صناع الحياة، وكان جلدًا ذكيًا يقظًا مثابرًا، وحاز علمًا وثقافة عامة مكنته من أداء دوره، ولم يكن من اللاهين، وإنما كان ينهل من المصادر العربية والتركية والانجليزية والفرنسية، ولقد رأيت مكتبته بقصره يوم مقتله وقد استبيحت وتبعثرت، فكان فيها ما يدل على سعة اطلاعاته، حتى الشعر كان له فيه حصة وهو السياسى المنشغل، وقد أخذت ورقة من ديوان ممزق للشاعر التركى نامق كمال عليها ملاحظة لنورى، وقرأت مؤخرًا محاضراته التى ألقاها على طلاب كلية الأركان العراقية عن المعارك التى خاضها خلال الثورة العربية بمعية لورنس، فازددت قناعة لا يشوبها شك في أنه كان من كبار صناع الحياة، لكنه فاجر، ولقد فار دمى إذ أنا أقرأ ما فعله بالمساكين من ضباط وجنود الجيش العثمانى، وبعضهم عرب، ولكن غليان دمى ما ألغى حقيقة كونه من صناع الحياة المثابرين، وما كان من النائمين ولا المبذرين لأوقاتهم ولا الجاهلين.
وعندى خبر المئات غير نورى ممن بنى الحياة العلمانية بسهر الليالى والمعارك والسجون والبذل، وآخرين من الأذكياء المبدعين، ولكنى في موقف التمثيل لا تدوين التاريخ، والحر تكفيه الإشارة، وتذكر أن الحركة الشيوعية بدأت بكارل ماركس، وأن الحركة اليهودية الحديثة بدأت بمؤتمر حكماء صهيون وبتطوير هرتزل لها، وأن الحكم النصيرى السورى بدأ بنزول صعاليك من الجبال .
إن هذه القصص الإسلامية والجاهلية للأجيال التى ساهمت في صنع الحياة فيها مواعظ ودروس، وهى برهان لكل داعية على أن الحياة يملكها من يصنعها ويبذل ويجمع العلوم ويتعلم الفصاحة، على ايان كان أم على الفجور والصعيان، ثم هى بلاغ لكل داعية أن يشمر، وأن يسهر، وأن يبكر، وأن يبتكر ، وأن يبادر .