قال الرئيس: لو كان عندى مال ورجال ما دعوتك، بل تذهب منفردًا وبلا دولار واحد، وأبعث معك حارسًا حتى تعبر نهر المسيسبى ويعود .
ومع ذلك قبل المهمة، وودعه الحارس على ضفة النهر، واندفع نحو تكساس، فلما دخل أول مدينة بها فتح له مكتب محاماه، فكان المدعى في المحكمة يخرج متهمًا والمتهم بريئًا، لبلاغة وقوة لسانه، حتى انبهر به الناس، فلاثوا به، فتلاعب بمفاهيمهم وأخيلتهم، وغرس فيهم معنى ضرورة الاستقلال عن المكسيك، وأنشأ حركة قوية أتمت الاستقلال، ثم غرس معنى وجوب الانضمام إلى الولايات المتحدة، فانضمت طواعية بالقناعات التى غرسها هيوستن، وجاء بعد سنوات قليلة إلى الرئيس الأمريكى وسلمه مفتاح تكساس، إذ لم تطلق طلقة أمريكية ولم يصرف دولارًا، فشكره الرئيس، وخلدوا عمله بإطلاقن اسمه على مدينة هيوستن التى هى الآن من أهم مدن أمريكا وعاصمة النفط فيها.
فهكذا صناعة الحياة حين تكون، وهكذا البلاغة والفصاحة تصنع ما تصنع .
ثم لورنس، الجاسوس الانجليزى وملك العرب غير المتوج، حين صنع الحياة على نمط آخر، بالدأب والصبر وقطع الصحراوات على ظهور الابل وهو ابن الثلج، وقد أدى وحده ما يؤديه جيش كبير، وقاد الأعراب حتى أنهك الجيش الإسلامى العثمانى، وبسط النفوذ البريطانى على فلسطين، وكان دوره في ذلك أعظم من دور الجنرال اللنبى الذى قاد الجيش البريطانى في حملته من مصر على فلسطين، ثم حاز لورنس دمشق، وظل ينهك الجيش العثمانى حتى استسلم بعد ذلك قرب حلب .
وخدع لورنس نفرًا من الضباط العرب في الجيش العثمانى، فكانوا معه في مسيرته تلك من الحجاز إلى حلب، ومن أبرزهم نورى السعيد الذى لعب أهم الأدوار في السياسة العراقية بعد ذاك حتى مقتله سنة 1958 .