فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهلَ العير.
حتى قدموا بُصْرى من أرض الشام، فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي.
ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة لا تفارقه؟
قال: نعم.
قال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء.
ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ، فقال له: احلف باللات والعزى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ، وَإنِّي لأَمُرُّ بِهِمَا فَلا ألتَفِتُ إِليْهِمَا» .
فقال الرجل: القَولُ قولك. ثم قال لميسرة: هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتًا في كتابهم.
وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كله ميسرة.
وباعوا تجارتهم وربحوا ضعفَ ما كانوا يربحون.
ودخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في عُلية لها، فرأت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكَان يظلان عليه، فأرته نساءَها فعجبن لذلك.
ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبَّرها بما ربحوا في وجوههم. فسرَّت بذلك.
فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بما قال الراهب نسطورا وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع.
الباب الخامس والأربعون
في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة
عن نفيسة بنت مُنَيّة قالت:
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام دخل مكة وخديجة في عُلِّية لها فرأت مَلكين يظلانه، وكانت جَلدة حازمة، وهي أوسط قريش نسبًا وأكثرهم مالًا، وكلُّ قومها حريص على نكاحها لو قدروا على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال.
فأرسلتني دسيسًا إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟
قال: «مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ» .
قلت: فإن كنت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، أفلا تجيب؟
قال: «فَمَنْ هِيَ؟» .
قلت: خديجة.