فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 226

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول: ( إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلًا ، كمثل قوم نزلوا إلى أرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود و الرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا ، وأججوا نارًا ، وأنضجوا ما قذفوا فيها ) (1) ، ( إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا ، نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي ذكره - عز وجلّ - { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } .

(1) أخرجه أحمد

تلك هي الأسباب التي توقع في الفتور غالبًا .

آثاره:

وللفتور آثار ضاره ، ومهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي:

على العاملين: فمن آثاره على العاملين قلة رصيدهم - على الأقل - من الطاعات ، وربما قبض أحدهم وهو فاتر كسلان ، فيلقى الله مقصرًا مفرطًا ، لذا كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: ( اللهم إني أعوذ بك منالهم و الحزن وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن و البخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) . (1)

( اللهم اجعل خير عمري آخره اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك ، اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك ) .... ( اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتيمه ، وخير أيامي يوم ألقاك فيه ) (2)

وكان من بشرياته لأمته: ( إذا أراد اله بعبد خيرًا استعمله ، قيل كيف يستعمله ؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه ) (3)

وكان من وصيته لها: ( إن العبد ليعمل بعمل أهل النار ، وإنه من أهل الجنة ، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال بالخواتيم ) (4)

( لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له ) (5)

وكان من تأثر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضى الله تعالى عنه - لما مرض مرض الموت إذ جاء: أنه لما مرض بكى فقال:0 إنما أبكى لأنه أصابني على حال فترة ، ولم يصبني على حال جهاد ) (6) ويقصد أن المرض أصابه وهو في حال سكون وتقليل من العبادات و المجاهدات .

(1) أخرجه أبو داود

(2) أورده الهيثمى في مجمع الزوائد 10/157 من حديث أنس ، وعقب عليه بقوله: ( رواه الطبرانى في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن الأذرمى ، وهو ثقة )

(3) أخرجه الترمذى

(4) أخرجه البخاري

(5) أخرجه أحمد

(6) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير

على العمل الإسلامي: ومن آثاره على العمل الإسلامي طول الطريق ، وكثرة التكاليف و التضحيات ، إذ مضت سننه سبحانه: ألا يعطى النصر و التمكين للكسالى و الغافلين و المنقطعين ، وغنما لعاملين المجاهدين الذين اتقنوا العمل ، واحسنوا الجهاد:

{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا }

{ إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون }

{ و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }

علاجه:

ولما كان الفتور يؤدى إلى الآثار و المخاطر التي ذكرنا لزم التحرز و التطهر منه ويستطيع العاملون التحرز و التطهر منه على النحو التالي:

1-البعد عن المعاصي و السيئات كبيرها وصغيرها ، فإنها نار تحرق القلوب ، وتستوجب غضب الله ، ومن غضب عليه ربه فقد خسر خسرانًا مبينا ً ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى

2-المواظبة على عمل اليوم و الليلة: من ذكر ودعاء وضراعة ، أو استغفار ، أو قراءة قرآن ، أو صلاة ضحى ، أو قيام ليل ، ومناجاة ولاسيما في وقت السحر ، فإن ذلك كله مولد إيماني جيد ، ينشط النفوس ويحركها ويعلى الهمم ، ويقوى العزائم ، قال تعالى

{ وهو الذي جعل الليل و النهار خلفة ، لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا }

{ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا سنلقى عليك قولًا ثقيلًا ... }

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( من نام عن حزبه من الليل ، أو على شئ منه ، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ) (1)

3-ترصد الأوقات الفاضلة و العمل على إحيائها بالطاعات ، فإن هذا مما ينشط النفوس ، ويقوى الإرادات يقول: - صلى الله عليه وسلم -:

( فسددوا وقاربوا وأبشروا واستيعنوا بالغدوة و الروحة وشئ من الدلجة )

4-التحرر من التشدد و الغلو في دين الله ، فإن ذلك مما ينشط ويساعد على الاستمرار ، عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - قالت:

(1) أخرجه مسلم

( كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصير ، وكان يحجره من الليل فيصلى فيه فجعل الناس يصلون بصلاته ، ويبسطه بالنهار فثابوا ذات ليلة فقال:( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل ) وكان آل محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا عملوا عملًا أثبتوه . (1)

ولا جرم أن نشير هنا إلى أن التحرر من التشدد و الغلو لا يعنى الترك والإهمال ، بل يعنى الاقتصاد و التوسط مع المحافظة عل ما اعتاده من العمل ، ومع اتباع السنة ، قال عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله عنهما - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( يا عبد الله لا تكن مثل فلان ، كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) ، وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .

5-دفن النفس في أحضان الجماعة ، وعدم اعتزالها أو الشذوذ عنها بحال من الأحوال ، وحسبنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( الجماعة رحمة و الفرقة عذاب ) (2) ، ( يد الله مع الجماعة ) (3) ، وقول على رضى الله عنه - المذكور آنفًا: ( كدر الجماعة خير من صفو الفرد )

(1) أخرجه مسلم

(2) أخرجه أحمد

(3) أخرجه الترمذى

6-الانتباه إلى سنن الله في الإنسان والكون { فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا } من استفراغ الطاقة وبذل الجهد الإنساني أولًا { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض } ، ومن التدرج في العمل ، كما قالت أم المؤمنين عائشة - رضى الله تعالى عنها - ( إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة و النار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال و الحرام ، ولو نزل أول شئ ، لا تشربوا الخمر ، ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبدًا ) (1) وكما عبر عنه عمر بن عبد العزيز - رضى الله تعالى عنه - خامس الخلفاء الراشدين ، فقد أراد أن يعود بالحياة إلى هدى الخلفاء الأربعة ، لكن بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه ، وكان له ابن يقال له عبد الملك ، فيه فتوة وحماس وحيوية وتقى ، فأنكر على أبيه البطء ، وعدم الإسراع في إزالة كل بقايا الانحراف و المظالم ، حتى تعود الحياة سيرتها الأولي أيام الراشدين ، إذ قال له يومًا:

( ما لك يا أبت لا تنفذ الأمور ؟ فوالله ما أبالي ، لو أن القدور غلت بي وبك في الحق ) .

فكان جواب الأب الفقيه: ( لا تعجل يا بنى فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين ، وحرمها في الثالثة ، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة فيكون من ذا فتنة ) (2) ... الخ

7-الوقوف على معوقات الطريق من أول يوم في العمل: حتى تكون الأهبة ، ويكون الاستعداد لمواجهتها و الغلب عليها فلا يبقى مجال لفتور أو انقطاع .

8-الدقة و المنهجية في العمل على معنى مراعاة الأولويات وتقديم الأهم ، وعدم الدخول في معارك جانبيه ، أو مسائل جزئية هامشية.

(1) أخرجه البخاري

(2) الموافقات للشاطبى

9-صحبة الصالحين المجاهدين من عباد الله: إذ أن هؤلاء لهم من الصفاء النفسي والإشراق القلبي ، والإشعاع الروحي ، ما يسبى ، ويجذب بل ما يحرك الهمم و العزائم ، ويقوى الإرادات ، وقد لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنظار إلى ذلك حين قال:

( ألا أخبركم بخير الناس ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال: من تذكركم رؤيته بالله عز وجل ) (1)

10-إعطاء البدن حقه من الراحة و الطعام و الشراب مع الاعتدال في ذلك ، فإن هذا مما يجدد نشاط الجسم ويعيد إليه قوته وحيويته .

وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - العاملين إلى ذلك ، فقد دخل مرة المسجد فرأي حبلًا ممدودًا بين ساريتين ، فقال: ( ما هذا الحبل ؟ قالوا: هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت به ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:( حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليرقد ) (2)

وقال أيضًا: إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ) (3)

11-الترفيه عن النفس بالمباحات ، من مداعبة الأهل ، أو ملاعبة الأولاد ، أو القيام ببعض الرحلات النهرية للتجديف ، أو القمرية للرياضة ، و التدبر و التفكر ، أو الجبلية للصعود و التسلق ، أو الصحراوية للتمرس و التعود على مواجهة مشاق الحياة ، أو الحقلية أو غير ذلك ، فإن هذا مما يطرد السأم و الملل ، ويقضى على الفتور والكسل ، بحيث يعود المسلم إلى ممارسة نشاطه ، وكأنما ولد من جديد ، أو صار خلقًا آخر .

(1) أخرجه ابن ماجه

(2) متفق عليه

(3) متفق عليه

عن أبى ربعي حنظلة ابن الربيع الأسيدى الكاتب ، أحد كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لقيني أبو بكر - رضى الله تعالى عنه - فقال: كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت نافق حنظلة ، قال: سبحان الله ما تقول ؟ قلت: نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرنا بالجنة و النار كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عافسنا الأزواج والأولاد ، و الضيعات ونسينا كثيرًا ، قال أبو بكر - رضى الله تعالى عنه - فوالله إنا لنلقى مثل هذا ، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:وما ذاك ؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالجنة و النار كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد ، و الضيعات ونسينا كثيرًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي و في الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم ، وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) (1) ثلاث مرات .

12-دوام النظر و المطالعة في كتب السيرة و التاريخ و التراجم ، فإنها مشحونة بكثير من أخبار العاملين المجاهدين ، أصحاب العزائم القوية والإرادات الصادقة التي تسرى عن النفس ، وتسليها وتولد فيها حب الاقتداء و التأسي وصدق الله - سبحانه وتعالى - الذي يقول:

{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب }

وعلى سبيل المثال حين يقرأ المسلم عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا فتر في الوقت من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وارتفاعها قليلًا أخذ يدور في صحن بيته ، ويردد على نفسه:

وكيف تنام العين وهي قريرة ... ... ولم تدر أي المحلين تنزل

حين يقرأ المسلم ذلك تتحرك مشاعره وأحاسيسه فينشط ويجاهد نفسه ليكون ضمن قافلة العاملين المجاهدين .

(1) أخرجه مسلم

13-تذكر الموت وما بعده من سؤال القبر وظلمته ووحشته ، و البعث و الحشر ... الخ فإن هذا مما يوقظ النفس من نومها ، ويوقفها من رقدتها ، وينبهها من غفلتها ، فتنشط وتتابع السير ، وخير وسيلة لتذكر الموت الذهاب إلى القبور - ولو مرة كل أسبوع - وزيارتها للاعتبار بأحوال أهلها: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإن فيها عبرة )

وجاء عن ابن السماك الواعظ: أنه كان قد حفر حفرة في بيته كأنها قبر ، وكلما أحس من نفسه فتورًا أو كسلًا ، نزل إلى هذه الحفرة واستلقى كأنما قد مات ، ثم يتخيل أنه قد سئل ، وأن أعماله قد قصرت به ، ويأخذ في الاستغاثة و الصراخ وطلب العودة قائلًا:

{ رب ارجعون لعلى أعمل صالحًا فيما تركت ..}

وبعد طول استغاثة وطلب يجيب نفسه ، ها أنت يا ابن السماك قد أعطيت فرصة أخرى ، ثم يقوم من قبره ، وكأنما نشط من عقال .

14-تذكر الجنة و النار ، وما فيهما من النعيم و العذاب ، فإن ذلك مما يذهب النوم عن الجفون ، ويحرك الهمم الساكنة و العزائم الفاترة ، جاء عن ابن هرم بن حيان أنه كان يخرج في بعض الليالي ، وينادى بأعلى صوته: ( عجبت من الجنة كيف ينام طالبها ، وعجبت من النار كيف نام هاربها ، ثم يقول: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنًا بياتًا وهم نائمون } ) (1) .

15-حضور مجالس العلم ، إذ العلم حياة القلوب وربما سمع العامل كلمة من عالم صادق مخلص ، فنشطته سنة كاملة ، بل الدهر كله وصدق الله الذي يقول:

{ إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ } ، { وقل رب زدني علمًا }

16-أخذ هذا الدين بعمومه وشموله ، دون التخلي عن شئ منه ، فإن ذلك يضمن الدوام والاستمرار ، حتى تنقضي الحياة ونلقى الله .

17-محاسبة النفس و التفتيش فيها دائمًا ، فإن ذلك مما يبصر بالعيوب في بدايتها ، فتسهل معالجتها:

(1) التخويف بالنار لابن رجب

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون .... }

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت