سعيد بن محمد الحواش
انطلاقًا من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"الدين النصيحة"، ولما رأيت في حال البعض من إضاعة الأوقات وإهدار الطاقات وعدم الاستفادة منها، ورغبةً في علاج الخلل والقضاء على مكمن الخطر وتربية النفوس على معالي الأمور والطاعة والعبادة والأخذ بها مدرجًا جميلًا إلى القمم والفضائل أحببت من خلال تلك الكلمات أن أُسدي نصحي لنفسي أولًا ولإخواني وأخواتي الشباب، وأشحذ الهمم للتطلع إلى ما يعود على النفس البشرية بالسعادة والطمأنينة والأجر والثواب والبعد عن كل ما يشين فعله من التصرفات والأعمال والأقوال.
وما دفعني لذلك الواقع المرير لكثير من الشباب من مرتادي شبكة الإنترنت وانشغالهم بأمور لا تعود عليهم ولا على من يطالع نتاجهم بالخير والفائدة، فإن المتابع لهم يحزن أشد الحزن من تبادل السباب ونشوب الخلاف غير المحمود والجدل المذموم المبني على الباطل والتطاول على مقام العلماء والنيل منهم والوقوع في نياتهم والتعرض لمقاصدهم وكأنهم لم يعلموا بمصير منتقصهم فإن سنة الله في منتقصيهم معلومة.
ولم يكن همي منصرفًا لتتبع تلك المهاترات والمجادلات وحصرها، فالمطالع لها على علم بها، بل همي منصرف إلى توضيح ما يجب أن يشغل المسلم به وقته وطاقته، ويحافظ على قِيَمِهِ ومُروءته ومبادئه العليا المتمثلة في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"والحث على استثمار تلك الطاقات والجهود المبذولة في غير عمل مشروع وتوجيهها إلى الأعمال الفاضلة المشروعة الموافقة للكتاب والسنة، والتخطيط لشخصيةٍ فذَّة ذات نفع متعدي تفيد وتنفع نفسها ومجتمعها، والإعداد السليم لها ابتداءً بتفريغ النفس عن كل ما يشين ويعكر صفو المسلم المؤمن حقيقةً قلبًا وقالبًا، وعدم الانشغال بالدنيا وصوارف الأعمال.
ولا بد من استشعار أهمية هذه الخطوة في حياة المسلم؛ لأن استشعارها ومعرفة قيمتها يحقق قدرًا كبيرًا من المسئولية وبالتالي ينتج عنها قدر كبير من السعادة والطمأنينة التي ستكتمل ـ بإذن الله ـ بإكمال الأعمال الفاضلة المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية ابتداءً بطلب العلم الشرعي والحرص عليه والاهتمام بتحصيله والجلوس في مجالس العلماء الربانيين والاستفادة منهم والحفظ عنهم والجد والمثابرة في طلب العلم واستغلال الوقت ومعرفة أهميته المعرفة الحقيقية وليس مجرد العلم بها بل تحقيق ذلك والتأكيد عليه واستشعاره وتطبيقه، فالزمن أخي الشاب كالمال يجب الحرص عليه والاقتصاد في إنفاقه وتدبيره وصرفه فيما يعود على صاحبه بالنفع والفائدة، وإن كان المال يمكن جمعه وادخاره بل وتنميته فإن الزمن عكس ذلك فكل دقيقةٍ ولحظةٍ ذهبت لن تعود إليك أبدًا ولو أنفقت أموال الدنيا أجمع، وإذا كان الزمن مقدرًا بأجل معين وعمر محدد لا يمكن أن يُقدَّم أو يؤخَّر وَجَبَ على كل إنسان أن يحافظ عليه ويعرف أهميته ويستعمله أحسن وأفضل استعمال ولا يُفرِّط في شيءٍ منه قلَّ أو كَثُر، وإذا تحقق للإنسان ذلك وأحسن استغلال واستعمال الوقت عادَ عليه بالنفع الدنيوي والأخروي، ولكي يحافظ الإنسان على وقته يجب أن يعرف أين يصرفه وكيف يصرفه وأعظم المصارف وأجلها طاعة الله - عز وجل - وطلب العلم والاهتمام به غاية الأهمية فكل زمنٍ أنفقته في تلك الطاعة والفضيلة لن تندم عليه أبدًا بل سيكون مصدر عزٍّ وسعادة ورفعةٍ وعلو. قال - تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وإن كان هناك ندم فهو على ضياع الأوقات وإهدار الطاقات فيما لا يعود على الإنسان بالنفع والفائدة ويا ليته يَسْلَم وينجو من الإثم والوزر.
ويَحْسُن بالمسلم وخاصةً الشباب إلى جوار طلب العلم والاهتمام به أن يُحَدِّد كل منهم هدفه ويُخلص نيته، وأن يحرصوا على السعي وراء كل ما من شأنه أن يفيدهم ويفيد مجتمعهم وأمتهم، ومن ذلك القيام على شؤون الأرامل والمساكين والأيتام فهو باب عظيم لاكتساب الأجر والثواب فقد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر"رواه البخاري ومسلم.
فما أعظمه من توجيهٍ نبوي كريم وما أجمل استثمار الطاقات والجهود وتوجيهها نحو القيام على شؤون الأرامل والأيتام والفقراء والمساكين، فقل لي بربك لو استثمر المتشاغل بالباطل واللهو والعاكف على الإنترنت بقصد الباطل وتتبع الشائعات وترويجها وإضفاء المصداقية على الكذب لو انشغلوا ووجهوا طاقاتهم نحو التكافل الاجتماعي والانضمام للمؤسسات الخيرية والإغاثية وتوجيه الجهود والتواصل مع الفقراء والأيتام والأرامل والقيام على مصالح المجتمع ككل ولاسيما أن المؤسسات الخيرية بحاجةٍ ماسةٍ لجهود الشباب ومساندتهم ومؤازرتهم والتعاون من أجل الرقي بأعمالها ورسالتها السامية ولتحقيق التكافل المنشود.
ولله الحمد والمنة هناك كوكبةً مباركة من الشباب العاملين في هذا الصرح العظيم الجليل القدر. والحاجة ماسة لأكثر من ذلك فمن منا الآن يجري ويسعى في حوائج الأيتام والأرامل؟ ومن منا يتفقد حاجاتهم ويسد عوزهم؟!
من يفعل الخير لا يُعْدم جوازيه ***لا يهلك العرف بين الله والناس.
إن المسارعة إلى سد حاجات الناس وخاصةً من فقدوا عائلهم من خصال المسلم الحميدة ورأيت شخصًا ـ جزاه الله خيرًا ـ فرَّغ نفسه للأرامل والأيتام والمحتاجين ويقوم على جَمْع الصدقات الأرزاق والأثاث والمتاع والملابس ويتم توزيعها على المحتاجين ويقضي حاجاتهم ويتفقد أحوالهم ويُشرف على ذلك إحدى الداعيات المباركات جزاهم الله خير الجزاء وأقر أعيننا بكثرة أمثالها، وذكر أحد الدعاة الفضلاء أنه يعرف شخصًا فرّغ نفسه للأرامل والأيتام فيراجع عنهم الدوائر الرسمية ويقضي حاجاتهم ويبث شكواهم إلى القادرين ويتفقد أحوالهم فيتابع هذا اليتيم في المدرسة ويبحث عن مرتبات التقاعد إن كان لهم فيها نصيب ويذهب بأطفالهم إلى المستشفى جزاه الله خيرًا ورزقنا وإياه الإخلاص في القول والعمل.
ولا شك أن ساحة العمل الإسلامي الخيري تشتكي من النقص الكبير في كوادرها ومع وجود هذه المشكلة فإنه يَنْدُر من يتنبه لها أو يسعى لمعالجتها، وإذا أدركنا فعلًا حجم هذه المشكلة فإن علاجها يسهل كثيرًا ـ بإذن الله ـ فإن إدراك المرض أول خطوات العلاج، ولا أزعم أني سوف استوعب علاج هذه المشكلة لكن حسبي فتح الباب أمام إخواني الشباب لرفع الهمم ومعرفة الواقع والمأمول وكذلك تذكير المختصين حتى يدلوا بدلوهم لوضع الحلول لهذه المشكلة الخطيرة، فأهل الخبرة لهم السبق في علاج هذه المشكلات، ولا أقول أن جميع الشباب مهيئين للعمل الخيري على حدٍ سواء فلا يعامل جميع الأشخاص معاملة واحدة. بل لا بد من توجيه كل شخص إلى ما يمكن أن يُبدع فيه، وهذا أمر يدركه أصحاب النظر والعاملين في سلك الدعوة والعمل الخيري؛ لأن الشخص إذا لم يُهيأ للعمل ولم يرغب فيه فقد يخفق أو تقل إنتاجيته وبالتالي يكون عبئًا على غيره وغير مثمر، وهذا ما نراه ـ وللأسف ـ حينما يتصدر بعض الشباب من خلال شبكة الإنترنت ويكون إنتاجه غير مفيد وغير مثمر بل ضارًا ومُحْبطًا؛ لأنه لم يوفق إلى من يوجهه إلى ما ينفعه وإلى الميدان الذي يصلح له. ولذا فإنني أقترح أن يقوم الشخص بفحص ومعرفة مهاراته ومحاولة استخراج أفضل وأحسن وأجدى الاتجاهات التي يمكن أن ينتج ويفيد من خلالها.. مع الحرص الشديد على استشارة الآخرين والممارسين والمتقدمين والمنتجين للاستفادة من خبراتهم ومعارفهم.
وإن أنسى فلن أنسى عمل عظيم يمكن للشباب ملء فراغه والاستفادة من ممارسته ألا وهو العمل في مكاتب دعوة الجاليات ونشر تعاليم الإسلام وأحكامه، ويعتبر هذا خيارًا آخر لمن يرغب العمل فيه ويجد من نفسه إقبالًا عليه، وبالتالي نجد إنتاجا وفائدة، ولاسيما أن دعوة الجاليات ونشر تعاليم الإسلام وأحكامه حقل مهم بحاجةٍ ملحة لجهود الشباب وتعاونهم.
قال الحسن: من استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله، إمامًا لحيّه، إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب.
وأخيرًا أخي الشاب تعاهد نفسك فإذا عملت عملًا فاذكر نظر الله إليك وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك وإذا سكت فاذكر علم الله فيك، وإذا لم ينتبه أحدنا لهذه المبادئ ويعمل بها قلَّت المراقبة والخشية وارتفعت الأصوات بالباطل وكثر اللغط وتجني المسلم على أخيه المسلم، وأنت أخي الكريم حين ترى ارتفاع الأصوات وتداخل الكلمات وكثرة الهرج والمرج تذكر قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -حين قال:"إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه منه شيء".
وختامًا: فإن الفرد منا بحاجةٍ إلى مبادئ صحيحة يعتقدها وتنير دربه وقيم صالحة ينتقيها وطباع بشريَّة يُهََذبها ليكون الاستثمار الأمثل للحياة.
ــــــــــــــــــ