فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 226

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-

إن الإسلام لا يقتصر في تربيته لأتباعه على أساليب معينة وجوانب محددة .. ومن خلال اطلاعي على عدد من الكتب التي تتناول أساليب وطرق التربية و الدعوة إلى الله ، استوقفني شيء مهم ، وهو أن أغلب هذه الكتب ركز أصحابها على عدد من الجوانب ، وفي المقابل أهملوا جوانب أخرى لاتقل أهمية عن تلك التي تناولوها بالدراسة والبحث ؛ فعلى سبيل المثال: فإن بعض الكتب تناولت جانب التربية بالقدوة - وهي ما نفتقد إليه اليوم إلا من رحم الله حتى بين المربين - ، أو التربية بضرب الأمثال ، أو التربية عن طريق القصة - وهي المنتشرة والمشهورة لدى أغلب المربين ، وقد يبلغ الأمر في بعض الأحيان إلى الكذب وتأليف القصص الخيالية ، والغاية - كما يزعمون - كسب قلوب الشباب - ، أو التربية عن طريق الترغيب والترهيب - وهي من الطرق التي تتشبث بها بعض الجماعات الدعوية على الساحة الإسلامية ، وهي مهمة في ذاتها ؛ لكن أن يتعدى الأمر بالاعتماد على الأحاديث الموضوعة والضعيفة ، فإن هذا لن يؤتي ثمرته المرجوة إذ البناء إذا لم يكن على أسس متينة سرعان ما ينهار على صاحبه - ، أو أن تكون التربية عن طريق الأحداث ، أي ما يقع في المجتمع وربطه بحدث معين من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو سير الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ، مع استخلاص العبر والدروس منها بما يخدم المصلحة الدعوية - وهو ما نفتقده اليوم ، وما أكثر الأحداث التي تحتاج منا إلى وقفة متأنية - ، أو أن تكون التربية عن طريق المداعبة - وهذا الأسلوب وللإسف فُسِّرَ على غير مراده واتُخذ مطية تمتطيه بعض الجماعات في الساحة الدعوية ، وقد بولغ فيه وتجاوز الحد ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى الإسفاف وقلة الذوق والأدب مع ما يصاحبه من مخالفات شرعية في بعض الأحيان كالتشبه بالكفار في الملبس و الكلام ، أو التشبه بالمخنثين مع تقليد حركاتهم وترديد بعض العبارات السوقية أو كلمات لبعض الأغنيات.. وهكذا ،

ولم يفهم المراد من هذا الأسلوب ولم يطلع على حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرته مع أصحابه حينما كان يمازحهم ، ولم يفهم المغزى من هذه المداعبة ، وهو ما سأسعى إلى بيانه في هذا البحث بإذن الله تعالى - .

ولا يعني أن الأساليب التي ذكرت لآنفًا لا تؤدي الغرض والهدف المنشود ، بل على العكس ، لكن إن أحسن المربي استخدامها .. وما كان تركيزي في هذا البحث على جانب المزاح والمداعبة إلا لما وجدت من أنها من أنجح أساليب التربية أحيانًا ، إذ القصد من ورائه التحبيب إلى النفوس في جو من الأنس والسرور الذي يبهج الصدور ، فيسهل على القلب استقبال التربية والتوجيه بانشراح كبير ..

ومن هذا المنطلق وبكوني أعمل في مجال التربية والتعليم ، وقفت على هذه الفجوة وعايشتها ، وكنت أتسائل لماذا لا يقدم الشباب على الالتزام والسير في ركاب الصالحين ، وقد كانت أغلب الإجابات الافتقاد إلى القدوة ، أو عدم مسايرة الواقع - مع التنبيه على عدم التنازل عن أمور ومبادئ أساسية في الشرع - ، أو عدم فهم نفسيات الشباب ، أو التجهم والعبوس من قبل بعض المربين ، أو التشدد في بعض الأمور حتى المباح منها ، وقد كانت بعض الإجابات تنناول موضوع بحثنا هذا وهي أن المربي أو هذا الداعية لايعرف للمداعبة سبيل ولا يعيرها أدنى اهتمام .. الخ .

لهذا السبب كتبت في هذا الموضوع عله يسد ولو ثغرة بسيطة .. ويكون لبنة على الطريق ..

وأثناء قراءتي لبعض الكتب التربوية والدعوية كنت أدون ما أقف عليه من أثار ومواقف للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه وللسلف رضوان الله عليهم أجميعن ، تتعلق بمبدأ التربية بالمداعبة ، وأنقل ما يتعلق بها من أمور وما اشتملت عليه من فوائد وحكم ، حتى نصل في نهاية الأمر إلى الأسلوب الأمثل في التربية بهذا الأسلوب ( التربية بالمداعبة ) ..

وإذا كانت المداعبة تحمل في طياتها كل ما ذكرت ، فإنه لابد من أن نقف في هذا البحث على عدد من المحاور الأساسية ، منها على سبيل المثال: مفهوم المداعبة ، أقسامها ، منهج الإسلام في تقريرها ، أمثلة على مداعبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهله ، و لأصحابه ، مداعبة الصحابة رضوان الله عليهم بعضهم لبعض ، مداعبة السلف الصالح بعضهم لبعض ، الآثار المترتبة على التربية بالمداعبة ، خاتمة البحث ..

والله أسأل التوفيق والسداد والعون الرشاد والحمد لله رب العالمين ..

والآن إلى المضوع ..

مفهوم المداعبة:-

ذكر ابن منظور في لسان العرب ( 1/ 375 - 376 ) في مادة دَعَبَ قوله: داعبه مداعبة: مازحه ، والاسم الدعابة ، و المداعبة: الممازحة ، وقال: الدعابة: المزاح ، والدُّعْبُبُ: المَّزّاح ، وأدْعَبَ الرجل: أي قال كلمة مليحة ، .. وقال الليث: فأما المداعبة فعلى الاشتراك كالممازحة ، اشترك فيه اثنان فأكثر .

وأما في الاصطلاح فالمداعبة كما عرفها ابن حجر في الفتح (10/526 ) : هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره .

والمداعبة والمزاح شيء واحد ، فهو كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى ، فإن بلغ به الأذى فهوسخرية ..

وخلاصة القول في مفهوم المداعبة: هي استغلال بعض المواقف بقول أو فعل يدخل السرور على الآخرين ، دون جرح للمشاعر أو إهدار للكرامات ، وإذا اشتملت على مواقف تربوية كانت أكثر فائدة ، وأعظم أثرا .

أقسام المداعبة

يرى بعض الباحثين أن المداعبة تنقسم - من حيث الجواز وعدمه - إلى قسمين:-

الأول: ماكان مباحًا لا يوقع في معصية ، ولا يشغل عن طاعة ، على ألا يكثر منه المسلم ، فيطغى على الجدية التي هي الأصل في حياته ، وقد يكون المازح مأجور على مزاحه إذا أحسن النية ، وكان مقصده من مزاحه مصلحة شرعية .

يقول ابن حجر في الفتح (10/527 ) : فإذا صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ، ومؤانسته ، فهو مستحب .

ومن هذا الباب كان مزاحه - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مزاح صحابته من بعده ، وإن كان الصحابة رضوان الله عليهم قد تجاوزوا المزاح بالقول إلى الفعل ، فقد علل الأستاذ العودة في كتابه الترويح التربوي ( ص 91 ) بقوله: ويستفاد من ذلك أن المربي القائد يُلزَم بما لايُلزَم به سائر الأفراد حفاظًا على مكانته أن تبتذل بمزاح مضاد ، وحفاظًا على أفراده في أن يتسبب في إحراجهم بأفعال يصعب الاعتذار منها .

الثاني: ما كان منه محرمًا ، يخدش الحياء ويجرح الكرامة ويثير الحفيظة - وما أكثره اليوم - ، وهو المعني بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه: ( لايأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا ) صحيح سنن أبي داود (3/944) .

يقول ابن حجر في الفتح (10/526 ) كلامًا ما معناه: المنهي عنه في المزاح ما كان فيه إفراط أو مداومة ؛ لأنه يشغل عن ذكر الله ، وعن التفكر في مهمات الدين ويقسي القلب ويزرع الحقد ويسقط المهابة والوقار ، ثم نقل عن الغزالي قوله: من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة ، وكان هذا رده على من يتخذ مزاحه - صلى الله عليه وسلم - دليلًا ، ثم يقول معلقًا على ذلك: حال هذا كحال من يدور مع الريح حيث دار .

منهج الإسلام في تقرير مبدأ التربية بالمداعبة:-

لقد اختصت السنة النبوية بتقرير هذا المبدأ ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى ، ولايقول إلا حقًا ، يداعب أصحابه ويمازحهم ويدخل السرور على أنفسهم ، ولقد حفلت السنة النبوية المطهرة بكثير من الحوادث التي تقر هذا الأسلوب المحبب إلى النفوس - وسيأتي ضرب الأمثلة على ذلك في الحلقة القادمة - ، والذي لا يكاد يخلو من تأديب وتهذيب ، وتلطيف وتلميح ، يزيل الملل ، ويذهب السآمة ، ويعين على الطاعة ويدخل السرور إلى النفس .

على أن هذا المزاح لم يكن به ما يخدش الحياء ، أو يجرح الكرامة ، وإنما كان خاليًا من الإثم والتهتك ، بعيدًا عن الشتائم والسباب ، لأن الإسلام يهذب من سلوك المسلم حتى في مواطن المزاح .

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يداعب أصحابه مابين الفينة والأخرى ، ولعل من أبرز المواقف في ذلك ، ولربما هذا الموقف من أول المواقف التي داعب فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ، ما رواه الإمام أحمد في مسنده ( 2/ 360 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يارسول الله إنك تداعبنا ! فقال - صلى الله عليه وسلم -: إني لا اقول إلا حقًا .

لقد تعجب الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الممازحة ، وثار في أنفسهم هذا السؤال ، بعد أن عادوا بأذهانهم إلى الجدية التامة في حياته - صلى الله عليه وسلم - ، ثم عايشوا ممازحته ، فانبعث من نفوسهم هذا السؤال ، فكان جوابه - صلى الله عليه وسلم - فيه جانب تربوي كبير ، إذ لم يقل - صلى الله عليه وسلم -: نعم ، وإنما كان جوابه متضمنًا الإقرار بجواز الممازحة ، وزاد على ذلك بقوله: إني لا أقول إلا حقًا ، ومعنى هذا أن المزاح بالباطل لا يجوز ؛ لأنه يناقض حينئذ التربية الصحيحة التي هي هدف الإسلام .

على أن مزاحه - صلى الله عليه وسلم - لم يتعد القول إلى الفعل ، لأنه حينئذ يصل بصاحبه إلى المزاح المذموم الذي نهى عنه الشارع الحكيم ، يقول الأستاذ العودة في كتابه الترويح التربوي ( ص 91 ) : من الملاحظ أن مزاح الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتعدى القول إلى الفعل كما كان لا يتعدى الصدق إلى غيره .

وإلى لقاء آخر في الحلقة القادمة مع جملة من القصص الطريفة التي مازح فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهله وأصحابه وبعض القصص التي مازح السلف فيها بعضهم بعضًا ، وكان لذلك كله أبلغ الأثر في نفوسهم .. وليكن هذا زادًا للمربين في استخدام هذا الأسلوب التربوي المؤثر في دعوتهم بشرط مراعات الضوابط الشرعية في ذلك . والله أعلم ..

مداعبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهله ..

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الأزواج في معاملة أهله ، كيف لا وهو الذي يقول لأصحابه كما في الحديث الصحيح الذي أورده ابن ماجة في سننه ( 2 / 158 ) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خيركم ، خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي .

ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يعمل مع أهله في مهنة البيت حتى تحضر الصلاة ، فإذا حضرت الصلاة لم يُقدّم عليها شيئًا ، روى البخاري في صحيحه ( 8 / 17 ) من حديث الأسود قال: سألت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في أهله ؟ قالت: كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة .

وأيضًا فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يمارس هذا النوع من المداعبة في بيته ومع أهله وخاصته ، والقصص في ذلك كثيرة وهي أيضًا ذات جانب تربوي واضح ، كما وأن فيها بث لروح جديدة داخل الأسرة ، والتي تساعد بدورها على استمرار الحياة الزوجية وتدفقها .

بل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر اصحابه بزواج البكر ويعلل ذلك بقوله: تلاعبها وتلاعبك ، وتضاحكها وتضاحكك . الإرواء برقم ( 1785 ) .

ومن الأمثلة على حسن معاشرته - صلى الله عليه وسلم - لأهله ما كان يداعب به زوجاته ، مدخلًا بذلك السرور على أنفسهم .

1-ما أخرج الإمام أحمد في مسنده (6/ 39 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن - أي لم تسمن - ، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال لي: تعالى حتى أسابقك ، فسابقته فسبقته ، فسكت عن حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت ، خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا ، ثم قال: تعالي حتى أسابقك ، فسابقته فسبقني ، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك .

سبحان الله !! إن السفر مجهد مضني ، والنفوس فيه متعبة ، وإدخال السرور على الناس وخاصة الزوجة في مثل هذا الموطن من العشرة الحسنة ، بل هي من كريم الطبع وحسن الخلق .

ونظرة متفحصة إلى واقعنا اليوم و إلى حال الأزواج مع زوجاتهم وخاصة في السفر تجد العجب العجاب ، تجهم و تكشير وعبوس وكأنه أمر بأن يحمل زوجته على رأسه وأن يسافر بها ، ما كأن الطائرة أو السيارة هي التي تحمل وتنقل .. أين التطبيق العملي والاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ؟! لا نطلب منك أن تسابق زوجتك ، ولكن الانبساط في الحديث وأن ينفتر الوجه عن ابتسامة حنان كفيلة بأن تدخل السرور على الزوجة والأهل .. وهي بدورها - أي الابتسامة - تريح الأعصاب وتبدل من حال إلى حال .

2 -روى ابن ماجة في سننه ( 2/ 158 ) من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: قالت عائشة: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن ، وهي غضبى - أي أنها فوجئت بدخول زينب عليها رضي الله عنها - ، ثم قالت: يا رسول الله ! أحسبُكَ إذا قَلَبَت لك بُنَيَّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيْها - تصغير الذراع والمقصود ساعِدَيها - ؟ ثم أقْبَلَتْ عليّ فأعْرَضْتُ عنها ، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: دونك فانتصري ، فأقْبَلْتُ عليها ، حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها ، ما تَرُدُّ عليّ شيئًا ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتهلل وجهه .

الذي نفهمه من هذا الموقف العظيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف زينب لكونها دخلت عليهما دون إذن ، وخاصة لمن كانت له أكثر من زوجة ، وفي المقابل طلب من عائشة أن تتصرف في هذا الموقف لترد على زينب هذا التصرف بأسلوب فيه تربية وإرشاد ، فحصل المطلوب ..

3 -أخرج الإمام أحمد في مسنده ( 4 / 272 ) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: جاء أبوبكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاذن له ودخل فقال: يا ابنة أم رومان ! وتناولها ، أترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبينها ، قال: فلما خرج أبو بكر جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لها يترضاها: ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك ؟ قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه فوجده يضاحكها ، قال: فأذن له ، فدخل فقال له أبو بكر: يا رسول الله أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما .

موقف عظيم من رجل عظيم ، ألا وهو موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فهو لم يتمالك نفسه أن يرى أحدًا يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ولو كان هذا الشخص ابنته ، فكان تصرفه من دافع المحبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وفي المقابل كان موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - موقف الصابر الذي يتفهم الأمر ولا يعطيه أكثر من حقه ودن تضخيم لهذا الموقف .. فبمجرد أن تم فض الاشتباك وانصرف الصديق رضي الله عنه عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مداعبة عائشة و الحديث معها وكأن شيئًا لم يكن ..

4 -روى أبو يعلى في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بحريرة قد طبختها له - أي أنها أتته بنوع من الطعام - ، فقالت لسودة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بيني وبينهما: كلي ، فأبت ، فقلت: لتأكلين أو لألطخن وجهك ، فأبت ، فوضعت يدي في الحريرة ، فطليت وجهها ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوضع بيده لها ، وقال لها: إلطخي وجهها - أي أنه وضع من تلك الحريرة في يده لسودة لتلطخ وجه عائشة رضي الله عنها - ، فلطخت وجهي فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - لها .

وهذا الموقف من النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على مدى عدله بين زوجاته رضوان الله عليهن أجمعين ، فكما أن عائشة قامت بتلطيخ وجه أم المؤمنين سودة بنت زمعة ، أعان الرسول - صلى الله عليه وسلم - سودة على تلطيخ وجه عائشة ، بأسلوب لطيف ، وكأنه يقول لها هذه بتلك .. ودون أن يترك هذا التصرف منه - صلى الله عليه وسلم - في النفوس شيء بين زوجاته ..

5 -أخرج أبو داود في سننه ( 3/ 209 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قَدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أو خيبر ، وفي سَهْوَتِها سِتْرٌ ، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لي - لُعَبٍ - فقال: ما هذا يا عائشة ؟ قالت: بناتي ! ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع ، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت: فرس ! قال: وما هذا الذي عليه ؟ قالت: جناحان ، قال: فرس له جناحان ؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة ؟! قالت: فضحك ، حتى رأيت نواجذه .

موقف عظيم .. وتبسط في الحديث .. فهو - صلى الله عليه وسلم - يرى ويعلم ما في هذا الستر ، لكنه أحب أن يداعب عائشة و يلاطفها .. فسألها سؤال متحبب ..

6 -أخرج البخاري في صحيحه برقم ( 6078 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لأعرف غَضَبكِ من رضاكِ ، قالت: قلت وكيف تعرف ذاك يا رسول الله ؟ قال: إنك إذا كنت راضية قلتِ بلى ورب محمد ، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم ، قالت: أجل ، لا أهجر إلا اسمك .

هنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب أن يداعب عائشة رضي الله عنها .. واحب أن يطلعها على شيء قد تكون هي غير منتبه له .. وهو قسمها أثناء غضبها .. فمن خلال هذا القسم كان - صلى الله عليه وسلم - يعرف ما إذا كانت غاضبة أم راضية .. وكان جوابها رضوان الله عليها: بأنها لا تهجر إلا اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس شخصه .. وهذا من شدة حبها له رضوان الله عليها ..

7 -وأخرج البخاري في صحيحة برقم ( 5211 ) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه ، فطارت القرعة لعائشة وحفصة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث ، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر ، فقالت: بلى ، فركبت فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة ، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: رب سلط عليّ عقربًا أو حية تلدغني ولا أستطيع أن أقول له شيئًا .

إلى غيرها من المواقف العظيمة في التربية النبوية بالمداعبة ..

مداعبته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-

انتهينا في الحلقة الماضية من الحديث عن أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أهله و تقرير مبدأ التربية بالمداعبة .. واليوم نتناول مداعبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه .. يحدونا قوله عليه الصلاة والسلام كما أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( 1 / 247 ) : إن من أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا أو تقضي عنه دينا ، أو تطعمه خبزا .

والآن إلى تلك المواقف التربوية ..

1-كان صهيب الرومي رضي الله عنه كثير المزاح ، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلاطفه ويدخل السرور على نفسه ، وكان وقتها - أي صهيب - يأكل تمرًا وبه رمد ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له كما روى ذلك ابن ماجة في سننه (2/253 ) : أتأكل التمر وبك رمد ؟! فقال يا رسول الله: إنما أمضغ على الناحية الأخرى !! فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

لقد راعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحالة التي كان عليها صهيب رضي الله عنه ، فقد كان مصابًا في عينيه بالرمد ، وهو في حاجة إلى المواساة والملاطفة التي تدخل السرور على نفسه ، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يأكل التمر: أتأكل التمر وبك رمد ؟! سبحان الله وما دخل أكل التمر بالرمد ؟! وهل الإنسان يأكل بفمه أم بعينه ؟ وليس في سؤاله - صلى الله عليه وسلم - إلا الحق ، فإنه مجرد استفهام لا يغير الحقيقة ، فكان جواب صهيب وقد كان مزاحًا يحمل دعابة جميلة ، فقال: يا رسول الله إنما أمضغ على الناحية الأخرى !! سبحان الله ، ومادخل المضغ على أحد الجانبين بالرمد في العين ؟! ولكنها سرعة البديهة التي أجابت على قدر السؤال ، فإذا حق لنا أن نقول: ما العلاقة بين أكل التمر وبين الرمد في السؤال ؟ جاز لنا أن نقول: وما العلاقة بين الرمد وبين الأكل على أحد الجانبين من الفم ، على أن صهيبًا رضي الله عنه حين قال ما قال ، فإنه لم يقل إلا حقًا فإنه عند الأكل إنما كان يمضغ على أحد جانبيه .

2-كان من بين الصحابة الذين اشتهروا بكثرة المزاح نعيمان البدري رضي الله عنه ، فقد ذكر ابن حجر في الإصابة ( 6 / 367 ) : أن أعرابيًا دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأناخ ناقته بفنائه ، فقال بعض الصحابة لنعيمان: لو عقرتها فأكلناها ، فإنا قد قرمنا من اللحم ، فخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد ! فخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: من فعل هذا ؟ قالوا: نعيمان ، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد ، فأشار رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث هو ، فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: الذين دلوك لي يا رسول الله هم الذين أمروني بذلك ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك ثم غرمها للأعرابي .

هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يشيرون على نعيمان رضي الله عنه بعقر الناقة ليأكلوا منها ، فلما كُشف أمره دلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه ، فاستخرجه - صلى الله عليه وسلم - من بين الأعواد ومسح التراب عن وجهه وهو يضحك متعجبًا من فعله رضي الله عنه ، وجرأته على ناقة الأعرابي ، وقد عالج - صلى الله عليه وسلم - الموقف بغرم ناقة الأعرابي من ماله .

3-ذكر ابن حجر في الإصابة (6 /366 ) مزاح أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معه ، فقال: قال الزبير: وكان نعيمان لا يدخل المدينة طرفة - أي طعامًا - إلا اشترى منها ثم جاء بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيقول ها أهديته لك ، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها ، أحضره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أعط هذا ثمن متاعه ، فيقول: أولم تهده لي ، فيقول إني والله لم يكن عندي ثمنه ، ولقد أحببت أن تأكله ، فيضحك - أي النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفعل - ، ويأمر لصاحبه بثمنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت